لم يخطر ببال وزارة الصحة أن هناك مجتمعا علميا لا تقف بوجهه عوائق النماذج والمفاوضات والتواقيع البيروقراطية. المماطلة بإرسال العينات للولايات المتحدة الأميركية، والتي تجاوز عددها 500 عينة كما ذكر وكيل وزارة الصحة للصحة العامة في اجتماع منظمة الصحة العالمية في شهر مايو الماضي، تسببت في نوم عميق لعملية اكتشاف مصدر فيروس كورونا لم تستيقظ منه وزارة الصحة إلا بصفعة من بحث علمي هولندي أدار دفة الاستقصاء المحلي ليطفو السؤال مجددا: ماذا حصل لعينات الاستقصاء الحيوانية من المملكة؟

قامت وزارة الصحة بطلب الدعم البيطري من جامعة كولومبيا الأميركية وائتلاف "إيكوهيلث" بعد وفاة مساعد الغامدي -يرحمه الله- من بيشة في نهاية عام 2012 نتيجة لفيروس كورونا. وصل الفريق الأميركي إلى المملكة في شهر أكتوبر 2012، وقام بجمع عينات عديدة، ولعل أهمها عينات الخفافيش والتي ـ للأسف ـ وصلت تالفة فيما بعد للولايات المتحدة الأميركية مما جعل مهمة تحليلها شبه مستحيلة. ثم حل تفشي الأحساء في شهر مارس 2013 الذي أعاد تسليط الأضواء على وزارة الصحة ووفد المملكة في اجتماع منظمة الصحة العالمية؛ لترد الوزارة أمام المجتمع الدولي بأنها قامت "مجددا" باستشارة جامعة كولومبيا الأميركية وائتلاف "إيكوهيلث" والتي نتج عنها إرسال فريق مكون من ستة أشخاص لمدة ثلاثة أسابيع قام خلالها بجمع أكثر من 500 عينة حيوانية من ثلاث مناطق مختلفة في المملكة.

غادر الفريق الأميركي الأراضي السعودية على أمل أن تصل العينات الحيوانية هذه المرة بحالة سليمة صالحة للتحليل. مر الشهر والثاني والعينات ما زالت لدينا وعندما بدأ العالم بالاستنكار لغموض مصدر الفيروس بعد سنة من اكتشافه، خاصة مع قرب موسم الحج والعمرة، ظهر وكيل وزارة الصحة للصحة العامة مصرحا في نهاية شهر مايو، أي بعد شهرين من مغادرة الفريق الأميركي، بأنهم للتو حصلوا على الضوء الأخضر من الحكومة الأميركية لإرسال العينات الحيوانية. الغريب أن هذا الإجراء يعد روتينيا ولا يحتاج لموافقة، لأنه سيتم التعامل مع العينات كما يتم التعامل مع أي منتجات حيوانية يتم استيرادها للولايات المتحدة، وبالتالي فإن التأخر بإرسال العينات تتحمله وزارة الصحة وهو ما تؤكده التصريحات الممتعضة التي أطلقها رئيس قسم الأمراض الفيروسية في مركز التحكم بالأمراض الأميركي قبل شهرين عن مماطلة وعرقلة وزارة الصحة لعملية إرسال العينات.

غاب عن وزارة الصحة أن تصرح بأن الموافقة أعلاه، هي موافقة استثنائية على إرسالها للعينات لفحصها عن مرض الحمى القلاعية من قبل وزارة الزراعة الأميركية أولا، قبل السماح لها بدخول الأراضي الأميركية ومختبرات جامعة كولومبيا لتحليلها عن فيروس كورونا. هذه المرحلة لا يمكن تجاوزها، وبحاجة لموافقة استثنائية، إذ إن القانون الأميركي يحظر استيراد الحيوانات أو عيناتها القادمة من المملكة لأن أراضينا ليست خالية من مرض الحمى القلاعية وهو مرض وخيم وشديد العدوى يهدد الثروات الحيوانية. أي أن العينات كانت سترفض روتينيا، لا لشيء سوى أنها قادمة من المملكة، ومن المستغرب أن تجهل هذا وكالة الصحة العامة بوزارة الصحة، فكيف تقوم باختيار مختبرات في دول لا تسمح قوانينها باستيراد عينات حيوانية من المملكة؟ ولماذا تقوم وزارة الصحة بتأخيرعملية الاستقصاء عن مصدر الفيروس بتخبط لوجيستي كهذا؟ الجدير بالذكر أن هذا الحظر لا ينطبق على عينات الخفافيش التي تم إرسالها مسبقا من قبل وزارة الصحة بعد زيارة الفريق الأميركي الأولى بحالة تالفة ومتأخرة لمختبرات جامعة كولومبيا وبالطبع من دون نتائج.

وبعد ستة أشهر مضنية، وصلت هذا الأسبوع 130 عينة حيوانية لمختبر جامعة كولومبيا ومن بينها 33 عينة مأخوذة من الإبل الموجودة في مناطق التفشي، حسب ما صرح الدكتور ليبكن قائد الفريق البحثي بجامعة كولمبيا لوسائل الإعلام الكندية. وهذا الأسبوع أيضا نشر فريق بحث هولندي نتائج بحثه على عينات من الإبل من مناطق مختلفة، ولعل أبرزها دولة عمان الشقيقة، ليسبق الفريق الهولندي وزارة الصحة بأميال بحثية ويرسم خارطة الطريق لها بالأدلة في كيفية البحث عن مصدر التفشي بالبحث العلمي التحليلي بدلا من البيانات الوصفية التي تطالعنا بها الوزارة من فترة لأخرى على هيئة أبحاث.

البحث الهولندي لم ينتظر وزارة الصحة وعيناتها وقام بمحاولة البحث عن أي دليل عن المصدر، ولو بالدول المجاورة، فخلص إلى وجود أجسام مضادة لفيروس كورونا في الدم المأخوذ من عينة من الإبل، أي أن عينات الإبل هذه قد "تعرضت" لفيروس كورونا بدلالة وجود هذه الأجسام وقد "تكون" الإبل ناقلا أو مصدرا للفيروس. البحث لا يقدم دليلا على وجود الفيروس نفسه في عينات دماء هذه الإبل ولا يقدم دليلا على انتقاله من الإبل للإنسان؛ ومع ذلك فإن دكتور ليبكن قائد الفريق البحثي الاستشاري لوزارة الصحة أثنى على الدراسة في صحيفة "نيويورك تايمز" وعد نتائجها دليلا دامغ على تعرض عينات الإبل لفيروس كورونا، وأنها حتى وإن لم تثبت الدراسة انتقال الفيروس من الإبل للإنسان فإنها فرضية معقولة خاصة مع مخالطة مواطني دول الشرق الأسط العالية للإبل كمصدر للحوم أو السباقات.

ثناء الدكتور ليبكن قابله استنفار ورفض للدراسة من قبل وكيل وزارة الصحة للصحة العامة كما صرح لوسائل الإعلام المحلية، ولم أجد له تفسيرا سوى أن البحث الهولندي كشف ترهل وزارة الصحة.