ثمة حالات لدى بعض المثقفين تستدعي التوقف، لعل من أهمها عدم المبالاة أو الاكتراث بأوقات الآخرين، فتتفق مع أحدهم على موعد ما لأجل عمل محدد فيفاجئك بعدم المجيء ولا يكلف خاطره بالاعتذار، بل "يطنش" وكأن شيئاً لم يكن، على أساس أنه قادم من عالم آخر، ويحق له ما لا يحق لغيره بحكم "النخبوية".
في عملي واجهت تصرفات من مثقفين كبار وغير كبار لم يخطر على بالي يوماً أنهم على هذا المستوى الرديء من اللامبالاة في عدم مراعاة إدراج وقت لهم لمقابلة أو حوار فضائي ضمن جداول أعمال وسائل الإعلام.
مسؤول كبير في اتحاد كتاب دولة خليجية مثلاً لا يحدثك إلا عن طريق سكرتيرة خاصة تبرمج له مواعيده فهو لا يجد وقتاً لذلك لكثرة مشاغله. هذا المسؤول لم يكتفِ بأن وافق على الموعد – بمعرفة السكرتيرة طبعاً – بل وأكد على المجيء قبل يوم من موعد تسجيل حلقة حوارية فضائية معه. وعندما اقترب الوقت وبدأت الاتصالات تأتي إلى هاتفه المحمول للتأكد من تحركه باتجاه القناة، لاذ بالصمت ولم يرد على أي اتصال، غير مكترث بما تكبدته القناة من خسائر مالية بسبب استهتاره، فالأستوديو حُجز والمصورون حضروا مع المخرج، وكذلك أعد مسؤولو الإضاءة والصوت كل الترتيبات... وكل ذلك بتكاليف محسوبة بحسب مهمة كل شخص منهم. كلهم حضروا، مع مقدم البرنامج والمنتج المشرف، وحده المثقف الكبير كان غائباً.
مسؤول كبير في فضائية عربية يفترض أنه يعرف معنى الوقت وبرمجة الحلقات في عمل القنوات، سافر خارج الدولة بعد موافقته على أن يكون ضيفاً لدى فضائية أخرى، ولم يتنازل عن عرشه ويتواصل معهم للتأجيل أو الاعتذار.
روائي سعودي شاب، كان أفضل حالاً من مسؤول اتحاد الكتاب، فقد لاذ بالصمت بعد موافقته على تسجيل الحلقة، ولم يرد على الاتصالات حين اقترب موعدها، واكتفى ببريد إلكتروني يعتذر عن عدم الحضور لأسباب غير مقنعة يمكن تلخيصها بأنه يخشى مواجهة الكاميرات، وهو قد فعلها من قبل غير أنه لم يكبد الجهة المستضيفة خسائر مادية رغم أنه أربكها في جدولة برامجها، غير أنه في المرة الثانية لم يربك جدول البرامج فحسب بل كبدها بعض الخسائر.
مثل هذه العينات من المثقفين تسيء إلى الثقافة من حيث لا تدري، إذ كان بمقدور أي منهم أن يعتذر من البداية، وتنتهي المسألة بإيجاد بديل، غير أن واحدهم لا يعرف أن هذا العبث منه وعدم تقدير الآخرين وأوقاتهم يسيئان إلى الثقافة ويجعلانه غير محترم من قبل غيره.