يعد مصطلح "فقه الواقع" من المصطلحات الجديدة في ورقات العقل العربي والإسلامي، لكنه كمفهوم ارتبط كثيراً بحياة النبي "عليه الصلاة والسلام"، والخلفاء الراشدين الأربعة، ويعتبر الخليفة عمر ابن الخطاب "رضي الله عنه" أبرز من طبقه وعمل به إبان خلافته، والأمثلة كثيرة في متون سيرته على ذلك، كتعطيله العمل بحد السرقة في عام المجاعة، وهذا فهم عميق لفقه الواقع، وعملاً بقوله تعالى في آخر الآية الثالثة من سورة المائدة: (..... فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإن الله غفور رحيم).
وعلى الرغم من الخلاف المستمر، حول إيجاد تعريف محدد ودقيق لمصطلح فقه الواقع، إلا أن كثيراً من المهتمين له لا يبدو أن المصطلح قد تشكل تماماً بمختلف جوانبه لديهم، ولم تكتمل الرؤية بشكل كافٍ تمكنهم من استيعابه بصورة أقرب إلى الدقة، ويقرر كثير منهم أن فقه الواقع هو العلم المتعلق بكل جديد ومدى توافقه مع الدين فقط. وربما عاد ذلك إلى مصطلح "فقه"، الذي ارتبط مفهومه على الدوام في الذهنية العربية والإسلامية بالدين، وهو الذي يُعد جزءاً من الواقع وليس كل الواقع، ويراه ويُعرفه عدد من أبرز المختصين والمنظرين، من أمثال الدكتور يوسف القرضاوي قائلاً: "فقه الواقع مبنيٌ على دراسة الواقع المعيش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات"، وهذا الرأي أقرب إلى المصطلح أكثر مما يراه ويعرفه الشيخ ناصر الدين الألباني؛ على أنه "الوقوف على ما يهم المسلمين مما يتعلق بشؤونهم أو كيد أعدائهم، لتحذيرهم والنهوض بهم واقعياً لا نظرياً، أو انشغالاً بأفكار الكفار وأنبائهم، أو إغراقاً بتحليلاتهم وأفكارهم"، فيما يرى الدكتور "مارك جبريال" الكاتب والمتخصص في الشؤون الإسلامية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، أن فقه الواقع "هو العلم الذي يساعد على الوقوف والإلمام بواقع المسلمين وربطه بنمط الحياة المعاصرة وضغوطها ومشكلاتها، الأمر الذي يجعلها تختلف تماماً عن حال المسلمين في العصور المتأخرة، الأمر الذي يستدعي اجتهادات وفتاوى جديدة تساعد على تقدم المسلمين، وتحافظ على صيانة حقوق الإنسان ونشر العدل والمساواة، وقبول الآخرين مهما كان شكل الاختلافات بينهم وبين المسلمين".
الأمثلة أعلاه تُحجم أبعاد مصطلح فقه الواقع، وتؤطر كثيرا من مفاهيمه ومقاصده، ويفسر حالة الخوف من التواصل الكامل مع المصطلح، ويعطي لمحة عن وضعية فكر العالمين العربي والإسلامي، وما وصلا إليه من حال مفككة ومرتبكة، على المستوى الفكري والعلمي والصناعي، وتلك نتيجة للتخبط الذي تعيشه العقلية العربية والإسلامية على حد سواء.
لقد بقينا غائبين قرونا عن مواكبة العالم، وظللنا ندور حول أنفسنا، لا نستطيع رؤية ما يدور ويتشكل حولنا في العالم الواسع، وترجمة صريحة للفجوة الفكرية التي حدثت، بدايةً من أواخر عهد الدولة العباسية مروراً بعصر الدويلات الإسلامية المتناحرة، ووصولاً إلى طلائع العصر الحديث، وما صاحبها وما تلاها من تعطيل شبه كامل للفكر والعقل العربي والإسلامي تحديداً، وليس أدل على ذلك من التخبط الذي حدث ويحدث، إزاء كل مستجد فكري أو علمي أو اجتماعي أو تقني يظهر إلى الوجود! مثل علم الأجنة وأجهزة الاتصالات المختلفة والتيارات الفكرية وغيرها، إذ سرعان ما يحضر الارتباك على مستوى الجدل الديني في العالم العربي، والذي يربك بعضه الحياة الاجتماعية العامة والخاصة أحياناً، من خلال القول بالفرض ثم التراجع عنه! لتشعل بذلك المزيد من التساؤلات حول خلفية وطبيعة وموثوقية مصادر العلم الذي ينطلقان منه لتقرير أمر ما؟ وهذا مزلق خطير يجب تقدير حجم عواقبه الإنسانية بكل تفاصيلها على الشريحة الاجتماعية، وهي المعنية أصلاً بتلك التقديرات وتبعاتها. فالدين لم يأت محاصراً أو مضيقاً أو حاجراً، بقدر ما جاء مخُلّصاً وهادياً للإنسانية، ومن غير المعقول أن الدين الذي ترافق وجوده مع الظهور الأول للإنسان يكون غير ذلك أو أقل!
فقه الواقع من وجهة نظري؛ هو علم نحتاجه لقراءة المتغيرات والمستجدات على ضوء المُعاصرة وواقعها ومتطلباتها، ورصد نقاط التوافق المُساعدة لاستمرارية الحياة الإنسانية بما يكفل تقدمها وازدهارها وتناسقها. ففقه الواقع مرتبط بأدق تفاصيل اليوميات الحياتية كافة، وحصر مفهومه ومعناه في منحى واحد، هو تفريغ للمصطلح من دوره ومقاصده العظيمة.