مؤخرا، تحدث الرئيس عبد ربه منصور هادي في خطاب معايدة للشعب عن دور المعرفة في تأصيل قيم الحق والحرية والبناء، وما في عدادها من مثل عليا لا تقبل الاجتزاء أو التفكيك بوصفها منظومة قيمية متكاملة تستوعب التطلعات المحتملة، وتنجز مهام التحول التاريخي في حياة شعب اعتاد المجازفات، ودأب على الارتخاء تحت تأثير الوعود العرقوبية للنخب السياسية بمعزوفاتها الاعتيادية من طوطم الشعارات المرفوعة وعوالم الكلام من أجل الكلام.
ربط الرجل بين زياراته واشنطن والرياض وقبلهما الدوحة من جهة، ومن الأخرى تفاعلات الواقع بطريقة موضوعية يفهم منها تحذير قوى الصراع التقليدي من طبائعها في المراوغة وتأزيم الأوضاع أو اعتقاد القدرة على استغفال العالم والإبقاء على مواقفه الداعمة ومنحه الاقتصادية لمساندة بلد تتلهى قياداته بفوضى السياسة والإدارة والاقتصاد وشؤون الحكم، وهي تستمرئ المضي على هذه الوتيرة المتذاكية كما لو أن التجديف العشوائي سيبقى سمة زئبقية لا تدركها رؤية وتقويم ومجاهر الأشقاء والأصدقاء الذين يرقبون أداء الأطراف المتشاكسة حينا، والمؤتلفة أحيانا، ولا يجدون لديها في حالتي الوفاق أو الخناق ما ينبئ عن حسن النية تجاه مصالح الشعب ولا الجدية الكافية لإخراج البلد من عنق الزجاجة ريثما تتمكن العجلة من التحرك صوب الوجهة السلمية والمسار الصحيح المؤديين إلى الاستقرار وتنمية مقدرات الشعب والحد من نزعات الانتقام والانتقام المضاد.
وفي أحاديث ومناسبات عديدة، ظل الخطاب الرئاسي يذكر شعبه والعالم بما كانت عليه الأوضاع عند اندلاع الأزمة الطاحنة في 11 - 2012 مرورا بالإجراءات المتخذة لرأب الصدع والسيطرة على الملف الأمني وتشكيل حكومة الوفاق وانتخاب رئيس الدولة وإعادة هيكلة القوات المسلحة والتئام الحوار الوطني، على حين أغفلت التسوية السياسية منطلقات التغيير ومضامينه الاجتماعية وعمقه الفكري وركائز ديمومته، مقتصرة رؤيتها على وفاق المحاصصات ورهن حاضر البلاد وقابلها لتوازنات التخلف بمعطاها السياسي الذي تصاغ حيثياته بعيدا عن قواعد المنطق ودواعي المصلحة الوطنية العليا، وغالبا ما جرت المحاصصات خارج معايير عمل الدول وشروط الإحلال بمواقعها القيادية العليا.
في أوقات سابقة، قاد المتنورون في اليمن حملاتهم النقدية ضد جماعة (الحوثي) وأسهبت الوسائل الإعلامية في تعرية نهجهم الاصطفائي المتخم بذخيرة التمييز الرسالي والاستعلاء السلالي -وراهناً- ما الذي يجعل الموقف مختلفا إن حدث هذا الاصطفاء بمعايير ولائية تفرضها قيادات الصف الأول من قيادات الأحزاب السياسية ذات الخبرة الواسعة في إنتاج جينات الصراع وتحريك أدواته.
لهذه الاعتبارات، يمكن النظر إلى مضمون خطاب هادي وقراءة دلالاته المثارة لأول مرة بوصف ذلك مؤشرا على بداية مشهد وطني جديد ترتسم صورته في ذهن أوفر قادة اليمن حظاً لتصدر زمام المرحلة القادمة، ومن يدري فربما كان ذلك المضمون عنوان تحول تاريخي يقود نحو يمن متحرر من أغلال التخلف والصراع.
وفي كلا الحالين يمكننا التفاؤل، لكننا مدعوون للإحجام عن وضع الأمور على محطة البشرى، إذ تؤكد مجريات الشأن العام أن فرص بناء دولة مؤسسية حديثة في هذا البلد أفلتت من يد الرئيس السابق خلال 3 عقود مضت، وقد لا تكون متاحة اليوم لمجرد العثور على رجل دولة يحاول جاهداً خوض تحديات البناء، بينما أدواته الموروثة والعدة المتاحة أمامه مخصصتان لأغراض الهدم.. وأحسب أن مطالبته باختيار الأدوات القادرة على صنع التغيير باعثها الإحراج أكثر منها قناعة صادقة، إذ لا أطراف الصراع بالداخل، ولا الهواجس الإقليمية في الخارج يتفهمون الحاجة المشتركة لمشروع دولة حديثة في اليمن!
وإذن، فعلى أي أساس يطلق الرئيس هادي تعبيراته حول مهادات وأسس قيام الدول في كل تجارب العالم؟ ولماذا يريد تجذير القيم الخيَرة في حياة المجتمع واعتبارها الحامل الموضوعي للتغيير؟ أهي محاولة استباقية لتبديد الشكوك المثارة عن قابلية استنساخ أمثلة التغيير المضروبة في بلدان الربيع الأخرى..أم تراه اضطر للكشف عن ضحالة مخرجات التغيير على الطريقة اليمنية أو كما شرعت له مبادرة الأشقاء؟ وفي مثل هذه الحالة يمكن استيعاب رسالته على محمل الانزعاج مما يجري والرغبة في إبراء الذمة أمام جماهير الشعب؟
ثمة حيرة تلازم المتابعين مسيرة رجل يبذل وسعه في سبيل الاستقرار والتنمية وبناء الدولة، فيما تتراشقه السهام من مختلف الأنحاء والأطراف والجهات، ولولا أن العناية الإلهية يسرت مساحات واسعة من مشاعر البساطة والبداهة والفهم المتبادل في علاقته بغالبية أبناء الشعب لكان علينا إشهار علامات الاستغراب وعدم التردد في طرح السؤال النافر المستفز.. لمن توجه خطاباتك يا رجل؟ إذ الثابت أن المجتمعات البشرية لا تمنح ثقتها للرؤساء من أجل الحصول على نغمات صوتية تميز هواتفها النقالة، لكنها تتفاعل مع توجهاتهم الإيجابية بواعز الأمل في تطبيقها على أرض الواقع.
وهنا يغدو البحث عن دور الحكومة أو مجرد التعويل عليها مضيعة للوقت وضربا من المجارات الافتراضية للمشتغلين بتأويل الرؤيا الصالحة بميدان رابعة!
إن احتشاد سلبيات الماضي على طاولة حكومة وفاق تعمل بروح المغالبة يفضي لخراب القيم الخيرة لا تنميتها، ويحيل المشاريع التنويرية إلى تهم مجرمة وهرطقات مرفوضة وقرائن تعين الحكومة على إيقاع عقوباتها في حق المغضوب عليهم.
نحن لا نسأل الحكومة عن رؤيتها العامة وبرامجها التنفيذية الموجهة في خدمة قيم التغيير والمحددات التربوية والحداثية لثقافة الدولة المدنية، ولا نود فتح سجلها المتوهج في رعاية ودعم المناشط والأطر الحزبية المجندة على طريق بناء الدولة الدينية والمذهبية، نحن أيضاً لا نطلب من رئيس الحكومة تحديد موقفه من المعرفة، لمجرد الإحاطة بمحفوظاته الشعرية، لكننا نسأل عن حجم النجاحات التي أحرزتها الحرب الحكومية الضروس ضد المؤسسات والمراكز البحثية والبرامج المعرفية والفعاليات الفكرية التي تبناها الرئيس هادي وأعاقتها حكومة المغالبات الحزبية! وخلاصة القول: إن اليمن ما برحت حبلى وستلد تاريخاً ناصعاً من غير حاجة إلى مرشد خلف الستار.