خلال الأسابيع الماضية، كشفت "الوطن" عن وجود ملاحظات على الحساب الختامي لأمانة منطقة القصيم للعام المالي 1433/1434، رصدت من قبل لجنة التطوير والتقييم بالمجلس البلدي، تتمثل في وجود فرق (انحراف) بين الإيرادات التقديرية والفعلية بمبلغ (2.055) مليون ريال بالإضافة إلى تدني نسب الصرف على بعض برامج ومشاريع الأمانة في المنطقة.
الملاحظات السابقة على حسابات الأمانة أثارت حفيظة رئيس المجلس البلدي الذي سارع إلى إنكار صحة الخبر المنشور في الصحيفة، مؤكداً على سلامة الحساب الختامي للأمانة فنياً ونظامياً! مطالباً بتحري الدقة والموضوعية والمصداقية في مثل هذه الأخبار الحسابية حسب قوله، علماً بأن التصريح لا يخلو من الأخطاء في المفاهيم المحاسبية، بالإضافة إلى عدم وجود ما يفيد مصداقية وموضوعية الحساب الختامي للأمانة في الأساس.
أعتقد بأن رئيس المجلس البلدي يدرك جيداً بأنه لا توجد جهة رقابية مستقلة تقوم بمراجعة الحساب الختامي حتى يمكن الحكم على مصداقية التقارير المالية، لذا لا أستغرب تأكيده على سلامة ونظامية الحسابات، فتصريحه عبارة عن تأكيدات لا تسمن ولا تغني من جوع وتحتاج إلى من يضفي عليها المصداقية من قبل جهة خارجية مستقلة.
الملفت للنظر في هذه القضية أن لجنة التطوير والتقييم بالمجلس البلدي أكدت في محضرها على وجود الانحراف بين الإيرادات المقدرة والفعلية، وفي تصريح رئيس المجلس البلدي فيما يبدو ذكر بأن اللجنة بنت ملاحظاتها على أخطاء محاسبية، فهل يعني ذلك أن هذه اللجنة غير مؤهلة لمراجعة مثل هذه الحسابات؟ كما أن رئيس المجلس لم يتطرق في تصريحه إلى توضيح أسباب تدني الصرف على مشاريع وبرامج الأمانة.
وعلى أية حال، فإن كثيرا من المواطنين والمواطنات لا يلتفتون إلى المسائل والمصطلحات المحاسبية المتخصصة ولا إلى كيفية تفسيرها، وإنما يهتمون أكثر بمحاسبة المسؤولين والموظفين في القطاع العام، كما أن الجهات الحكومية لا تقوم بنشر حساباتها الختامية أمام الرأي العام بل تعتبر من الوثائق السرية، وبالتالي لا توجد مساءلة لهذه الجهات على الصعيد المهني المتعارف عليه ولا توجد أيضاً أبحاث ودراسات تحليلية لهذه الحسابات سواء من قبل الجهات الرقابية الرسمية أو مجلس الشورى.
ويعد ما قامت به "الوطن" من نشر هذه الملاحظات أمام الرأي العام، نوعا من الشفافية والمساءلة للجهات الحكومية، وهذا هو الدور المطلوب من الإعلام في الرقابة على الأداء الحكومي ككل.
فكما رأينا آنفاً، كيف كانت ردة فعل المجلس البلدي تجاه هذا الخبر، لأن مسألة مقارنة الإيرادات الفعلية بالإيرادات التقديرية هي لأغراض المتابعة والرقابة، ولأغراض التخطيط للسنوات القادمة، وعند وجود فروقات أو انحرافات بين المقدر والفعلي، فهذا يعني إما أن هناك قصورا يتمثل في عدم سلامة أسلوب تقدير الإيرادات في الموازنة أو مخالفة التعليمات المالية الخاصة بتقدير الإيرادات، أو أن هناك إشكاليات في عملية تحصيل الإيرادات الفعلية على أرض الواقع، أو يحتمل وجود أخطاء متعمدة أو غير متعمدة في التسجيل في الدفاتر المحاسبية، أو أن هناك ضعفا في أنظمة الرقابة الداخلية على الإيرادات، وبالتالي ارتفاع مخاطر السرقة والاختلاس.
أما بخصوص تدني نسب الصرف على بعض برامج ومشاريع الأمانة ومنها برامج النظافة لقرى منطقة القصيم، فهذا له أيضاً عدة احتمالات تسمى في أدبيات الرقابة (مخاطر)، فهناك احتمال وجود تعثّر أو سوء أداء من قبل المقاولين وبالتالي لم يتم صرف مستخلصاتهم المالية، أو هناك مشاكل وتعثر في عملية ترسية المشاريع في الأمانة ولم يتم الاستفادة من الاعتمادات المالية، أو يحتمل أن هناك سوء تقدير لهذه الاعتمادات والمخصصات في الأساس، أو يحتمل وجود مناقلات بين بنود الموازنة، وهنا ندخل في مشكلة أسباب نشوء المشاريع وأولويات الصرف، وفي كل الأحوال من الضروري بحث ومراجعة مثل هذه المخاطر من قبل جهة رقابية مستقلة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاحتمالات والمخاطر السابقة لها علاقة مباشرة بالأداء المالي للأمانة، وبمجرّد تقديم الحساب الختامي، فهذا معناه مساءلة الأمانة عن إدارة الأموال العامة والقيام بما هو مطلوب منها وبما تعهدت به، وهنا تنشأ الحاجة إلى وجود جهة رقابية مستقلة لتقول للرأي العام والسلطة التشريعية بأن الحساب الختامي سليم من الناحية الحسابية والقانونية وبالتالي إضفاء المصداقية على هذه الحسابات وإمكانية الوثوق بها والاعتماد عليها، ولكن للأسف هذا الرأي وهذا النوع من الرقابة غير موجود، ليس على الأمانات وحسب، بل على جميع الوزارات والمصالح الحكومية.
وبالتالي لا نستطيع تقييم الإدارة المالية للجهات الحكومية ولا تقييم الإدارة المالية للدولة بصفة عامة، لأن الحساب الختامي للدولة والذي تعده وزارة المالية ما هو إلا تجميع للحسابات الختامية للوزارات والمصالح الحكومية المختلفة، بالإضافة إلى بعض الحسابات العامة الممسوكة بمعرفة وزارة المالية مثل حساب الاحتياطي العام والاحتياطي النقدي وجاري مؤسسة النقد وغيرها من الحسابات الأخرى.
لا شك بأن ديوان المراقبة العام يعتبر الجهة الرقابية الرسمية المختصة بمراجعة الحسابات الختامية، ولكي يقوم بدوره المهني على أفضل وجه، أرى بأن يتم إعادة النظر في عملية المراجعة المستندية اللاحقة التي يقوم بها الديوان حالياً، ليتحول إلى المراجعة الميدانية المهنية، بحيث تتضمن التعليمات المالية لاعتماد الحساب الختامي لأية جهة حكومية تقريراً للديوان يبدي فيه وفق معايير المراجعة المتعارف عليها رأياً حول سلامة الحسابات من الناحية الفنية والقانونية، على أن ينشر هذا التقرير أمام الرأي العام، حينها نستطيع تحقيق مبدأي الشفافية والمساءلة، وهذا سوف ينعكس بالإيجاب على أداء إدارة المال العام وعلى الأداء المالي للجهات الحكومية، بعدها نستطيع الانتقال إلى مرحلة أكثر تطوراً وهي مرحلة الرقابة على أداء الأنشطة والبرامج الحكومية والرقابة على تنفيذ خطط التنمية.