تناولت في مقالة الأمس "مشمش التعاملات الإلكترونية"، وكانت تصف جانبا من حالنا بعد إقرار دخول الإنترنت إلى عالمنا، وكيف أنه لم يضف ولم يسهل بقدر التعقيد، نتيجة أنظمة وقوانين استحدثت من لجان، وأقرت على أساس أنها ضرورة ـ من وجهة نظر من أقرها ـ لتلقي بثقلها على كاهل المواطنة والمواطن.
يجب تقييم أي تجربة ترهق الناس، وتكثف الرحلات اليومية من وإلى الوزارات ومرافقنا الحكومية بداع ودون معنى.. وأن تطالب الجهات الحكومية المواطن بالوثائق المهمة والضرورية، ويكف الموظف والموظفة عن اتباع سياسة الإرجاع المتخلفة أو اعتبار دكاكين الوزارات التي تقدم للناس خدمة كتابة المعاريض وحجوزات الإنترنت مكملة لأدوارها.
أي خطوات إصلاح وتطوير أنظمة هدفها التنمية المستدامة، لا تتحول لتكون قيمة مضافة ومؤنسنة إلى واقع الناس، ليس لها قيمة.. ما يحدث هو عكس ذلك. عندما تتحول مجرد معاملة حكومية إلى مسلسل مهازل ومبالغات من أجل استخراج رخصة عمل من وزارة العمل، التي لا تواكب المشهد المعاصر الذي تُمكن فيه المرأة، وتمنح فرص العمل من المنزل، وفي طريقنا لإقرار "نظام العمل عن بعد" وسط تخلف ومطالبات برخصة البلدية، حتى ولو كانت مشروعات المرأة عصرية مرتبطة بالتقنية مثلا..يجسد ذلك أقصى درجات التخلف والإرث البيروقراطي المعاكس لتوجهات الدولة، عبر التحول للاقتصاد المعرفي، القائم في جوهره على العمل والاستثمار واكتساب المعارف من أي مكان في العالم وليس من المنزل فقط!
هناك انفتاح تجسده توجهات الدولة، لا تواكبه بعض وزاراتنا، بتخلفها ومتطلباتها التي تجب "أنسنتها" تزامنا مع أنسنة تعاملاتنا الإلكترونية، ولا يقال للمواطنة والمواطن عد للمنزل لتعبئة النماذج واستكمال الأوراق؛ لأن موقع الجهة الحكومية الإلكتروني لم يكلف القائم عليه نفسه عناء شرح ووضع جميع المتطلبات التي يُطالب الناس بها عند مراجعتهم بالقطارة والتقسيط الممل.
قد يرجع الموظف والموظفة هذه التعقيدات إلى أنه مجرد مطبق للنظام ولا يريد تحمل مسؤولية المخالفة.. والحل هنا ليس برد الناس وإرجاعهم إلى منازلهم لإدخال بضعة بيانات، بل بتخفيض نسب البطالة وتوظيف من يقوم بذلك.. من يضمن أن الجميع لديه إنترنت في منزله ويجيد استخدامه!.
التحول إلى التعاملات الإلكترونية يحتاج إلى توعية مكثفة، ووقت وجهد ومراحل، يتدرب الناس من خلالها على واقع جديد ومختلف.. ومن حق الناس أن يحدث التدرج، ويستفيدوا من الخدمات فعليا، مع تقييم دوري واستقبال لشكاوى المواطنين، التي تعد محك تجريب مهم، ومقياس نجاح تجارب تطوير الأنظمة.