مر عام على رحيل صديقي الأديب علي حسن الأسمري، عاش دون أن يحفل أحد بصراخه ووحدته ووجعه القصي ليذود عن إنسانيته، كان يكتب بالجمر على أوراق الرماد المنثور، كان ينزف جرحاً ويبكي دماً كمغارة مسكونة بالأسرار، غامض وواضح في آن معاً، أحلامه جموحة وآماله سرابية، ذاق مرارة الخيبة كحصان جريح، فلم يقطف من الحياة إلا طعمها المر والغصة الظمأى التي تفترش قلبه كصبارة في الحلق، ما أصعب صحو الذاكرة بعد رحيله، عرفته 40 عاما فوجدته حاداً كالنصل، وديعاً كأحزان الشعراء، تصعب قراءته بسهولة، حين يتحول إلى إعصار ويفقد بوصلته، ويختنق الحوار بينك وبينه لا يتردد عن قذفك بكل ما في معجمه الساخن من الهجاء الثقيل، والهجوم السافر والصادم، فهو جارح ومجروح، لا يقف على أرض محايدة، ولا يعرف أو يجيد المداراة وجبر الخواطر، مما أنهكه وأخذه إلى حائط مبكاه، كانت تثقله الوساوس القهرية حين يستعيد دفتر أيامه، فلا يرى فيها إلا الجحود والنكران وضجر اليأس، عندما أجلس معه تنهض في داخله المرافعة الحقوقية، المعجونة بالخيبة والانكسار، يباغتك بالمسودات الورقية التي لم يكف عن بعثها لكل الناس، باحثاً من خلالها عن حياةٍ أفضل وغدٍ حافل بالمسرات والكرامة، ولكن لغة الحوار بينه وبين الآخرين معطوبة فآثر العزلة المدقعة، يصارع مرضه المستبد ومتاعب جسده الواهن، وحصار الروح المتآكلة والبائسة، ورغم كل هذه المناحة فهو حريص على إشاعة الفرح الدافئ فيمن حوله، فيملأ الأثير صخباً بسخريته اللاذعة ليجعل الحياة قابلة للفرح.

أصدر عام 1413 كتابه: "هموم ثقافية"، وقام بتوزيعه على المكتبات ونقاط البيع، وفي ذات مساء شتوي كنت أسير معه على طريق أبها القرعاء، فطلب مني التوقف أمام سوق مركزي ليسأله عن مصير عشر نسخ من الكتاب، ليرى كم بيع منها، وبعد لحظات عاد والحيرة تتلبسه، ليسألني تفسيرا لما حدث فقلت له: وماذا حدث ؟ قال قدمت للسوق عشر نسخ، وفوجئت بها زادت واحدة! لم أتمالك نفسي من الضحك المفرط مما أغضبه وقلت له: من يشتري الهموم يا أبا حسن؟ يبدو أنك كتبت على الغلاف كما كانت تفعل وزارة المعارف سابقا على أغلفة الكتب المدرسية "أي نسخة تباع تعتبر مسروقة".. رحل صديقي الأسمري وفي قلبه جرح وحشي لا يندمل، وقلب مثقوب مجلل بالحزن الدامي، ويباس العمر الشجي والواهي، رحل دون أن يقول "وداعا" لأحد، ذهب ليستريح من الآخرين فقد كانوا جحيمه وعذابه، عليه رحمة الله التي وسعت كل شيء.