على عكس فيلم "حسن ومرقص" الذي اعتمد كوميديا الموقف والمفارقات المحبوكة والمقابلات البارعة ليعزّز ويكرّس لفكرة التعدديّة وقبول الآخر، تأتي المعالجة الدراميّة عن ذات الموضوع في حلقتي طاش عن الخال بطرس في منتهى الفجاجة والخطابية! يعتمد الفيلم على كوميديا الموقف التي زرعت قسّاً مسيحيا في بيئة مسلمة ليتحول إلى الشيخ حسن، وألقت بشيخ مسلم في مجتمع مسيحي لدواعٍ أمنية ليصبح الأب مرقص؛ يضطر معها الاثنان لخوض التجربة والتعايش مع الآخر باختلافاته، لتهطل الكوميديا السوداء عبر المواقف التي يلبس فيها كل من المسلم والمسيحي وجه الآخر مُرغما، ويخوض في تفاصيل وممارسات لا يفقه فيها شيئا؛ ويمارس طقوسَ دينِه متلصِّصا خوفا من افتضاح أمره في المجتمع المختلف. فتتخلق الكوميديا في الفيلم على يدي الوضعين المعكوسين، وتتم مقاربة الفكر المتشدد والتطرف على الجانبين بحبكةٍ دراميّة حاذقة من خلال المقابلة اللاذعة السخرية.

تأتي المعالجة الدرامية في حلقتي الخال بطرس هشّة وضعيفة؛ تُمطط فيها الأحداث وتُقحم فيها شخصيات لا تخدم الفكرة؛ كشخصية المرأة التي أوكل أخوها أمرها للبطلين على سبيل المثال. أما مفهوم التعددية فلم يقدم فقط بطريقة خطابية مقالية عبر الخال بطرس الذي يحاضر ابني اخته، ولكنه قدم بأسلوب استفزازي قد يساهم في رفض الآخر بدلا من قبوله! فالتعايش لا يستدعي أن يؤمن الآخر بمعتقداتك أو أن تؤمن بمعتقداته، ولكنه يتطلب قبول الاختلاف كسنة من سنن الله في خلقه، ومن ثم نبذ الكراهية والحقد والفرقة والتشرذم، وصولا للعيش بوئام وسلام تحت مظلة المواطنة وفي رحاب الإنسانية. فضلا على أنّ الفكرة مثقلة بحمولات أيديولوجية مضادة للأيديولوجية المهيمنة، لتتورط في صراخ ضد الصراخ يفسد الجانب الفني ويشوه مفهوم التعددية نفسه، بل ويسهم في خلق جبهة معارضة تعيدنا للمربّع الأوّل في قضية التعايش والتعددية. ناهيك -طبعا- أنه لا يمثل الواقع اللبناني البعيد عن الوردية المثالية التي قدم بها في الحلقة. فغني عن الذكر أن الحرب الأهلية في لبنان أصابت التعايش بين الأديان والمذاهب والطوائف في مقتل، لا يزال المجتمع اللبناني يحصد تداعياتها وآثارها حتى وقتنا الحالي!

كان من الممكن أن تُقدم فكرة التعددية وتقبّل الاختلاف بصورة أجمل وأكثر عمقا وبحبكة درامية حاذقة ومتوازنة الكفتين، لا تنتقد فيها الذات فقط ولكن يدان فيها التشدد والتطرف ورفض الآخر على كلا الجانبين كما فعل فيلم "حسن ومرقص". ما أحوجنا إلى زرع فكرة التعددية والتعايش في ثقافة طاردة للآخر ورافضة للاختلاف حتى لو كان في الرأي ناهيك عن المذهب والمعتقد، ولكن ما هكذا تورد الإبل يا طاش!