انتهى الحديث في المقالة السابقة إلى إبراز الطبيعة الجدلية للحوار منظورا له كضيافة. بمعنى أنه دائما يتحقق في المساحة البينية بين طرفي أو أطراف الحوار. الضيف هو شخص تتم دعوته للمساحة الخاصة ليكون جزءا منها وجزءا طارئا عليها في ذات الوقت. هنا يظهر ما أسميناه بعملية الدمج والتمييز وفي الحوار تعني هذه الجدلية دعوة أطراف الحوار لبعضهم البعض للحديث على أن يبقى كل منهما متمايزا عن الآخر بشخصيته وباستقلاله أو باختصار بـ"آخريته". الحوار يتوقف حين يتخلى أحد الأطراف عن موقعه ليندمج مع الآخر. هنا يتحول الحديث إلى حديث مع النفس لأن الاختلاف قد اختفى من العلاقة. لا يصف هذا الموقف القلق المتمثل في رفض التقارب أو التوافق مع المحاور بل يعني فقط رفض التسليم بحق الاختلاف وواقع الاستقلال لكل فرد من أفراد الحوار. قلنا أيضا إن الحوار كضيافة يقوم على جدلية التحرر والالتزام. بمعنى أن الحوار علاقة تقوم بناء على قرار حر وتشترط الحرية على مدار الحوار وفي ذات الوقت تؤسس التزامات بين أطراف الحوار. التزامات أخلاقية تعني في لبّها إدراك كل طرف على استحقاق وقدرة الطرف الآخر على أن يكون طرفا حقيقيا في الحوار. الحوار ينتهي حين يعتقد أحد الأطراف أن الطرف الآخر غير قادر على التفكير أو أنه يكذب أو أنه على درجة أدنى من إنشاء حوار متكافئ. اليوم سيرتكز الحديث على مشهد راسخ داخل فعل الضيافة وله دلالة عميقة على طبيعة الحوار كضيافة وهو مشهد: إعلان المضيف للضيف أن "البيت بيته".
يعلن الكرام لضيوفهم منذ قديم الزمان أن البيوت بيوتهم ليظهروا مزيدا من الحفاوة والترحيب. البيت هنا هو مكان الحضور الذي تشهده الضيافة. هو المكان الذي تتأسس فيه علاقة الضيافة بين صاحب البيت وزائره. خارج البيت كلا الطرفين على علاقة واحدة مع المكان. في البيت علاقة المضيف أقوى بالمكان باعتباره صاحب البيت ومالكه. لذا فهو يعطي لضيفه علاقة مع المكان تشبه علاقة المضيف به. المضيف يسعى هنا لجعل المكان مشتركا ويخفف من إحساس ضيفه بالاغتراب. المضيف هنا يحاول أن يجعل المكان "بينه" وبين ضيفه أي أن يزيحه من انتمائه الكامل له ليفسح مجالا لمشاركة الآخر "ضيفه" له. هذا الوجه الأول لإعلان أن البيت هو بيت الضيف. الوجه الآخر حاضر في ذهن الضيف والمستضيف أن هذه الدعوى لا تعني تخلية الضيف من مكانته كضيف والتحرر من الالتزامات التي تترتب على ضيافته. البيت هنا لا يتوقف عن كونه المكان الذي ينشئ الضيافة حين يشارك في الانتماء له بقدر ما هو اعتراف بأن الضيافة نفسها لا تتحقق بدون هذه المشاركة.
في الحوار كضيافة دعوة الحوار تحتوي جوهريا على دعوى البيت بيتك. البيت هنا هو المساحة البينيّة المشتركة. كل طرف يدخل يُوجد ممتلكا فضاءه الخاص. كل طرف هنا هو آخر بالنسبة للطرف الآخر. الحوار كضيافة يبدأ مع فتح الباب على هذا الفضاء. الانفتاح هنا معناه انكشاف المحاور بأفكاره ومواقفه على محاوريه ومشاركتهم إياها على أن يقوم هو بذات الفعل الذي ينتظرهم أن يقومون به. المحاور هنا يكرر ما يفعله صاحب البيت من جعل المكان مشتركا أو "بينيا". الحوار إذن يتأسس على أرض مشتركة. هذه الأرض يتم إنشاؤها مع الحوار وتختفي معه. أي مزاعم للسيطرة على هذه الأرض من خلال احتكار حق القول والحوار قول، أو حق الإنشاء والحوار إنشاء، أو الفعل والحوار فعل، هو تدمير لهذه المساحة المشتركة وبالتالي نهاية حتمية للحوار.
المساحة البينية التي تنشئها دعوة كل طرف من الأطراف للطرف الآخر للحوار هي بيت الحوار، وهذا يعني الكثير. البيت هنا شرط للحياة، الإنسان لا يستطيع العيش إلا في بيت يحميه من أخطار الطبيعة. كما تهدد العواصف والتغيرات الجوية الحادة حياة البشر في بيوتهم فإن نزعات البشر للسيطرة والتفرد تهدد المساحة البينية التي يولد ويعيش فيها الحوار. هنا يبدو الحوار كفعل من أفعال العدالة (سيكون هذا موضوع المقالة القادمة). كما أن الأخطار على البيت تنشأ من الطبيعة بما فيها البشر فإن البيوت أيضا تنشأ من الطبيعية وينشئها البشر كذلك. الحوار كذلك يواجه أخطارا طبيعية من النزعات الإنسانية للهيمنة والانغلاق. كما يتعرّض لأخطار من السياق الذي ينشأ فيه. هذا يحتاج لتفصيل أكثر ولكن المهم هنا هو الإشارة إلى أن الحوار سلوك طبيعي أيضا وغير مفتعل. الحوار هو الوجود الذي يتواصل داخله البشر تواصلا إنسانيا حقيقيا. عند كل لقاء فيزيائي بين إنسانين هناك إمكانية حقيقية لنشوء حوار بينهما، أو بعبارة أخرى إمكانية لتعرّف كل منهما على الآخر على مستوى يتجاوز العلاقات الاستعمالية التي تجمع الناس عادة.
عبارة البيت بيتك التي يعلن بها المضيف مشاركة ضيفه المكان هي علامة على تحقق الضيافة. الضيف هو حالة وسط بين الآخر والأنا. الضيف هو آخر مدعو لا ليكون أنا بل ليكشف عن أناه. الحوار أيضا هو حفاوة بأنا المحاور. بيت الحوار هو المكان البيني المشترك الذي ينشئه المتحاورون بالمشاركة. في هذا البيت تكمن الشروط الضرورية التي تحمي الحوار من الأخطار المحيطة به دائما. الخطر الأكبر على الحوار هو أن يدعي أحد الأطراف أن البيت بيته أي أن المكان المشترك هو مكانه، وحده من يضع شروطه ويفرض قوانينه. الأستاذ الذي يعلن في الصف أنه هو من يدير الصف وأن كل ما يجري فيه خاضع لقانونه يقتل الحوار بإلغاء المساحة المشتركة بعملية استحواذه عليها. الأب في بيته قد يكون صوره لهذا الأستاذ. الحوار كضيافة هو نقيض لعبارة "البيت بيتي" وثمرة لعبارة "البيت بيتك".