مذ وقت مبكر وعلى فترات متقاربة أسلفنا الحديث عن مخاطر الانزلاق بثورات الربيع العربي إلى وهاد التشظي والانقسام، وطالبنا القوى السياسية المتصدرة مسؤولية الحكم والقابضة على إرث الجنرال بالاحتراس من نزوات الاستئثار ونهم الاستحواذ أو الوقوع في فخاخ السلطة وبريق أضوائها ونزق التعبير بلسانها.
ولم تكن تحذيراتنا تلك ضرباً من الوهم ولا رغبة في تثبيط همم القادمين على مقود الأغلبيات الحزبية لحكم بلدان الربيع، ولكنا آثرنا استشعار واجبات الحرص على إنضاج فرص التحول التاريخي بعد تعذر محاولات التغيير بطرق ناعمة تعتمد وسائل أقل صخباً وكلفة وتبعات تجريب.
تحرك قطار الثورات على غير هدى بمحطته القادمة وأنزل معظم الركاب من مقاعدهم لأسباب تتعلق بسوء النية، لتشغلها كوادر وخبرات أطرف الصراع، ومع بداية المشوار تبين أن أعطاباً جسيمة تهدد مكنة القطار، واتضح أن قدرته الاستيعابية أقل بكثير من حمولاته، وفوق ذلك فقد صممت عرباته بطريقة تعكس خصوصية المزاج العربي إذ وضعت عربة القيادة على الناحية المخصصة لمؤخرة قطارات السير لتشرع الأغلبية المنظمة بتأمين متطلبات السلامة، وإلقاء الحمولات الزائدة على قارعة الطريق وللتخفيف من تأنيب الضمير عدّت الأقليات السياسية والحزبية في خانة الاشتباه!
وفي الحقيقة لم تكن الأجسام والأقليات المستغنى عنها بقسوة غير تطلعات الشعوب للتغيير بالأفضل وتوقها لترميم وإصلاح الاختلالات المتعددة لدى المؤسسات العريقة، التي يعد النيل منها انتقاما من الشعوب لا تجسيدا لدوافعها العادلة غداة إطلاق شرارة الثورة..
الإخوان المسلمون على احترامنا تجاربهم النضالية ودأبهم الذي استغرق قرابة 8 عقود من الزمن فعلوا هذا، وزادوا عليه قدراً لا يستهان به من الحمق في مواجهة أعمال السياسة وطبائعها.. أسلموا مقود قطار الثورة لفكر المفاصلة بين مجتمعي الإسلام والجاهلية وفسطاطي الإيمان والكفر، وميزان الجنة والنار، وخلطوا بين إرادة الله وتمنيات وأهواء البشر، ونشروا رايات الخلافة ولم يتذكروا شيئا من عدالة عمر وسماحة ومرونة عثمان وحنكة علي حين سارعوا إلى إحراق شعرة معاوية! مستبدين إرادة الشعب بقرار وتهيؤات الغلبة التنظيمية المنضبطة بالفتيا.
أتعاطف مع الإخوان في ظرفهم الراهن وأشعر بالجزع لما تلاقيه قواعدهم المندفعة وسط أجواء لا تستدعي تقديم واجبات التضحية بالنفس قبل موجبات الحفاظ على قدسية الحياة، وكياسة الإسلام في تحديد سبل التعاطي مع الاستطاعة بأطوارها الثلاثة تغيير باليد أو اللسان أو القلب.. وأحسبهم أحوج لرشد المجرب العاقل منهم إلى المتعاطف الملسوع!! وقد تمر بهم لحظات امتحان أكثر صعوبة فنقف معهم دون تردد أو مراء.. أما في الظروف الراهنة فما من مكان تنبض في سوحه قلوب العرب غير مصر وهي تخوض امتحان السيادة والإرادة والوجود.
قد تكون أخطاء الجماعة في بلدان غير مصر أشد ومغالباتهم أوجع، ونكثهم وعود التغيير أزرى، لكنهم في عظمى الدول العربية استدرجوا لمعارك لم يتدربوا على فنونها وحين فشل أنموذجهم الخاص في القيام بدور البديل الجاهز لمؤسسات الدولة وخبراتها المركومة؛ عندها تحولت السلطة إلى هدف مستقل وغاية لذاتها.
في حيواتنا كوارث لا تحصى ومآس لا تعد فلماذا يكون المثال في مصر أقسى الكوارث وأمر تلك المآسي؟ هل ذاك لما تمثله مصر من مكانة وموقع ودور استراتيجي في تاريخنا القديم والمعاصر؟ أم لأن ما حدث على الساحة المصرية يهدد بتقويض كيان وإرث دولة رفدت وجودها أجيال متعاقبة وقدمت في سبيلها قوافل الشهداء؟ وهل يكون عدلاً أو منطقاً أو ديناً وضع زعيم مهما كانت مكانته أو جماعة وإن كبر وزنها واتسعت شعبيتها معادلاً موضوعياً لجمهورية مصر؟ وبمنظور الصراع الوجودي في منطقة الشرق الأوسط ماذا يكسب إخوان مصر من البقاء في السلطة إن كان الثمن قوة جيش مصر ووحدتها الداخلية ودورها الحيوي؟
المؤلم حقاً أن الإخوان عالجوا كل هذه الأسئلة بمحلول الشرعية وعودة الرئيس مرسي، وحال تحققت هذه الجزئية ستتوقف العمليات الإرهابية في سيناء!! وتُبحث المطالب الشعبية؟ ويستوي الزرع على سوقه! حسنا وماذا لو أن الرجل عاد للرئاسة فعلاً فما الذي سيقوم به دون جيش ينصاع له أو مؤسسات حكومية مدنية تعمل تحت قيادته؟!
"الإخوان" يحملون الفريق السيسي ووزير الداخلية مسؤولية الانقلاب بالنسبة للأول والمواجهات الأمنية للثاني، والواقع أن كلا الرجلين اختارهما مرسي وعليه وحده تحمل النتائج مع إيماننا أنه ما من شيء آخر عدا هذا الاختيار سيغري التاريخ على الإشادة بالرئيس المصري السابق؟
وفي تقديرنا أن الجماعة أخطأت الوجهة، وأخطأت الاختيار، وأخطأت التقدير.. ومنح أفرادها خصومهم شيكا مفتوحاً.. لكن لا أحد يدري من أي أرصدتهم سيتم السحب؟
بيد أنّ "الإخوان" في أقطارنا العربية مطالبون بالوقوف أمام القوالب المغلقة في هياكلهم التنظيمية والنظر إلى رسالة الاستخلاف بمعزل عن استثمار التخلف وتوظيفه في إشادة مجتمع الغفلة!! ومن تجاربنا السلبية مع بعضهم لا نجد حرجا من دعوتهم لمراجعة علاقتهم بالله، ذلك أن تعبد الله عن طريق السلطة يستوجب الأفضل من الممارسات والأجدى من السياسات والأنفع من مصالح الشعوب والأوطان، ولهذا فهم - اليوم- أحوج ما يكونون إلى ناقد صارم أمين ـ لا تحركه الأحقاد ـ يوسعهم وخزا ويدلهم على طريق للحفاظ على ما تبقى من جهد ونضال وتجربة تتعرض للهدر على سبيل العناد والمكابرة. وفي السياق ذاته، فإن قضايانا العربية والإسلامية العادلة أولى وأحق برصيد تيارهم العريض من العواطف الأميركية والأوروبية التي تنفخ في كير العناد! لا رفقاً بالإخوان ولا حباًّ بمصر وشعبها ولكن للإيقاع بوطننا العربي ومقدساته وإحالتها إلى فريسة سهلة على طريق إحلال خارطة الشرق الأوسط الجديد.
إلى الأشقاء في قيادة السلطة المصرية الراهنة.. استعملوا الحكمة والعقل ولا تركنوا إلى الغلظة وطبائع الاستبداد.. غدا ستغير أميركا رأيها وتقدم مساعدات خاصة لاستئصال الجماعة فلا تصدقوها أو تقتربوا من مساعداتها الملوثة.
يا أشقاءنا لا تكرروا تجربة صلاح نصر وإن كان الضحايا أبناءكم أو آباءكم.. وإياكم ووضع السيف في موضع الندى!
قومي هم قتلوا أميم أخي
فإذا رميت يصيبني سهمي