أمام قطرة الدم المهدرة ظلما وعدوانا، يصاب الجميع بالذهول والصدمة، والصدمة هنا هي حالة تصيب كل إنسان "طبيعي"، إلا أن هنالك بشرا "غير طبيعيين"، وهم أولئك الذين لا يرمش لهم جفن فور رؤيتهم لهذه الدماء العربية التي تهدر كل يوم، ومثل هؤلاء حتما هم في حاجة لمراجعة أقرب عيادة نفسية. غير أن الأحداث التي تشهدها مصر هذه الأيام، قد أطلعتنا على نوع من البشر حالهم ميئوس منه تماما، أناس يشبهون البشر لكنهم ليسوا ببشر، يفرحون لمنظر الدماء التي تهدر في شوارع مصر، ويطالبون بالمزيد منها؛ انتصارا لمذهبهم أو معتقدهم أو حزبهم، غير مدركين أو مدركين، لكنهم لا يأبهون بأنهم ـ وإن انتصروا عبر إراقة الدماء ـ فهذا لن يغير من حقيقة أنهم "ساقطون"!.

بعض أولئك يبارك للقاتل إطلاقه للرصاص، بحجة أن الغاية تبرر الوسيلة، رغم أن قطرة الدم متى ما نزفت ظلما، ستهدم وتشوه كل غاية وانتصار، فأي طعم في انتصار كان ثمنه إنسانيتنا!.. أما البعض الآخر من أولئك، فيحيي المقتول على شجاعته واسترخاص دمه نصرا للقضية!، رغم أن كل قضية يواجه فيها الأخ أخاه ستنتهي بخسارة الاثنين!.. لقد أخبرنا النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار!". إن منظر الدماء وهي تلطخ يدي القاتل كفيلة بتوجيه كامل اللوم إليه، فما بال المقتول؟! هذا هو السؤال الذي وجهه الصحابة إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأجابهم: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه"!. إن هذا الحديث الشريف يضعنا أمام مفهوم آخر غير الذي اعتدنا عليه، مفهوم أن القاتل والمقتول كثيرا ما يتشاركان في حمل الأوزار، وأن المقتول ليس دائما ضحية، ولو نظرنا إلى ـ جماعة الإخوان ـ وعلى الرغم من أنهم من ينزف الدماء الأكثر، إلا أننا لا نستطيع أن نقول عنهم ضحايا؛ لأنهم يقفون في رابعة العدوية موقف الحريص على قتل صاحبه ـ كما في الحديث ـ!، بالتالي يمكننا أن نقول بعدم وجود "ضحية" في مصر، فكل الأطراف تتشارك في الجرم.

الآن من المفترض "منطقيا" طالما اختفى مفهوم الضحية عن المشهد المصري، أن تنتفي الحاجة إلى تعاطفنا مع الدماء التي تهدر كل يوم، لكننا مع هذا نستمر في التعاطف والشعور بالألم والصدمة إلى حد الذهول!.

حسنا، ليس في الأمر أي شذوذ، فحقيقة الأمر أن أطراف النزاع الرئيسة ليست هي الخاسر هنا، إنما الخاسر الوحيد هو المواطن، هذا المواطن الذي يستهلك من إنسانيته حين يصوب سلاحه تجاه خصمه اعتقادا بأنه ينتقم بهم من قيادتهم، غير مدرك بأن هؤلاء العامة مجرد أدوات للتضحية بها لا أكثر!، ويخسر أيضا المواطن الآخر الذي يتلقى الرصاص نيابة عن جماعة الإخوان، اعتقادا منه أنه يدافع عن الحق والإسلام.. هذا هو الضحية ـ المواطن البسيط ـ الذي نتعاطف معه ونحزن من أجله، سواء كان قاتلا أم مقتولا، أما أطراف النزاع اليوم، فكلهم يتحملون جرم الدفع بالمواطن إلى ساحات المواجهة.

الإخوان يتحملون اللوم الأكبر؛ لأنهم وإن كانوا ينزفون الدماء، إلا أنهم الأعظم جرما، وهذا يتضح إن أدركنا أن نزف دماء الإخوان مجرد استراتيجية لتحقيق عدة أهداف، من الأهداف المبدئية جذب تعاطف المجتمع، وهذا التعاطف بدوره مجرد استراتيجية أخرى تساعد على الوصول إلى الهدف النهائي ـ المستتر ـ والمتمثل في الحفاظ على ديمومة الفوضى في أرض مصر، ولا يمكن تحقيق تلك الأهداف إلا بتمثيل دور الضحية، وتلقي الموت بابتسامة!؛ لأن في تمثيل دور الضحية ضمانا لانقسام المجتمع، انقساما يطيل أمد الفوضى قدر المستطاع، والانقسام لا ينجح إلا بجذب تعاطف أكبر عدد ممكن، لتهيئة المتعاطفين على تقبل فكرة تلقي الرصاص نيابة عن الإخوان، لكن ولأن مجرد التعاطف وحده ليس دافعا للموت بالنيابة، كان من الطبيعي أن تدخل "الجنة" على الخط، وأن يتم تصوير المشهد أنه صراع بين كفر وإيمان، حينها ستشعر العامة أنها لا تتعاطف مع مجرد ضحية عابرة، إنما تتعاطف مع ضحية تدافع عن الإسلام!. هي سلسلة تحافظ على ديمومة الفوضى، وجماعة الإخوان ماضون في ربط كل حلقاتها إلى آخر قطرة دم!.

في الأخير.. إن تراشق الاتهامات بين كل الأطراف، كاتهام الإخوان للأطراف الأخرى بأنهم فلول وعملاء، واتهام الأطراف الأخرى للإخوان أنهم يجرون مصر إلى عصور الظلام، وعلى الرغم من امتلاك كل طرف لشيء من المصداقية في اتهاماته، تبقى الحقيقة الأبرز في كل هذه الفوضى، أن جميع الأطراف اليوم تعمل "سوية" من أجل إجهاض هذا الوعي الذي تكوّن داخل المجتمع المصري، وهو وعي كفيل بتعرية جميع الأطراف، وعي حتى الآن لا يُسمح له بأن يتكون وينتشر في بقية المجتمعات العربية!.