-1-

هل للديموقراطية جذور في المجتمع العربي، لكي يستطيع المُنبتون والزُرّاع الآن إحياء هذه الجذور ورعايتها، لتنبت شجرة الديموقراطية من جديد في العالم العربي، وتُزهر، وتُثمر ثمارها المباركة في القريب، أو في البعيد؟

يقول إيريك ديفيز (مدير مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة روتجرز الأميركية): إن جذور الديموقراطية ضاربة في أنحاء كثيرة من المجتمع المدني العربي.

-2-

فالمجتمع الديموقراطي في العراق – مثلاً - يعود إلى قرن كامل من الزمان، عندما تم إنشاء كلية الحقوق في بغداد في عام 1908، والتي كانت من أعرق مؤسسات التعليم الراقي في العالم العربي. وفي السنوات اللاحقة تمكن المعلمون وطلاب الجامعات والمهنيون من تكوين جمعيات واتحادات وأندية اجتماعية. وأُنشئ أول صالون ثقافي في عام 1926، إضافة إلى العديد من مؤسسات المجتمع المدني، التي كانت تنمُّ عن ثراء ثقافي، والتزام بالتعددية الثقافية والسياسية، رغم أن نظام الحكم آنذاك لم يعترف بالتعدد العرقي لانحيازه للقومية العربية؛ إي أنه لم يفرض قيوداً صارمة على القوميات والعرقيات الأخرى غير العربية.

-3-

ولكن العراق بدأ يبتعد عن التعددية، وعن مسلك الطريق الديموقراطي عندما قام انقلاب حزب البعث في عام 1963، وأطاح بحكم عبدالكريم قاسم وقتله. وقام الحزب بعد ذلك بقمع كل من يرفع راية التعدد الثقافي. واستمر هذا الوضع، وبشدة أكبر حتى عام 2003، عند زوال حكم صدام حسين.

ورغم مضي حوالى 40 عاماً على عهود القمع، وعدم السماح بالتعددية الثقافية والسياسية في العراق، وانتهاج نهج الحزب الواحد، والفكر الواحد، والعقيدة الواحدة، والقيادة الواحدة، والزعيم الواحد.. إلخ إلا أن العراق احتفظ - ولو سراً - بتقاليد التعددية والمجتمع المدني، التي ظلت حية في الذاكرة الثقافية والسياسية العراقية، وفي سراديب الثقافة والسياسة العراقية، رغم انعزاله التام عما كان يدور في العالم من تحولات ديموقراطية، وانهيار لأنظمة الحكم الشمولية في شرق أوروبا، التي خرجت في الأمس إلى النور، حيث لم تمت الجذور، ولكنها جفّت، وتحتاج الآن إلى مزيد من الرعاية والعناية، لكي تُطلق أغصانها وظلالها الوارفة، من جديد.

-4-

فما هي الطريق الآن، إلى إحياء جذور الديموقراطية الغائرة في تربة المجتمع العربي، والتي انعزلت عن تحولات العالم الديموقراطية، ولكنها في عام 2003 استطاعت بمساعدة قوى خارجية أن تُسقط الحكم الشمولي في بغداد، واستطاعت في عام 2011 أن تسقط الحكم في تونس، وفي ليبيا، وفي مصر عامي 2011، و2013؟

فمن المعروف أن الحكم الشمولي في العراق، وأجزاء من العالم العربي، كان نازي النزعة، بمعنى أنه كان مسيطراً على كافة مناحي وأوجه الحياة. وبما أن بلداً كالعراق كان غنياً، فقد تم استعمال موارده الثرية في تقوية جيش السلطة، وأمن السلطة، وثقافة السلطة، وفي بذخ السلطة كذلك. ومن ناحية أخرى، فقد قام النظام الشمولي بما له من قدرات مالية هائلة، في توسيع رقعة حزب البعث بالترغيب المالي، وبالترهيب الاجتماعي. ويقال أن عضوية هذا الحزب وصلت إلى 3 ملايين عضو، ومنهم من يقول أكثر، ومنهم من يقول أقل. ولكن الواضح، أن حزب البعث كان الأغلبية السياسية والأغلبية المطلقة في العراق. وأصبح أعضاء الحزب يتمتعون بمميزات سياسية، ومالية، وتوظيفية، وتعليمية، لا يتمتع بها الآخرون. وأصبحوا هم بؤرة الطبقة المتوسطة في العراق التي رضيت بالقهر والفقر، والتنازل عن حريتها مقابل ضمان لقمة عيشها.

ومن أجل إحياء التراث الديموقراطي، فلا بُدّ من إعادة التعددية السياسية والثقافية إلى ما كانت عليه قبل عام 1958.

-5-

لم يكتفِ الحكم الشمولي العربي بخلق طبقة وسطى بالطريقة التي يريدها، ولكنه قام إلى جانب ذلك بتدمير مؤسسات المجتمع المدني. فقام الحكم الشمولي في أنحاء كثيرة من العالم العربي - ومنها العراق قبل عام 2003- بإلغاء النقابات، والاتحادات العمالية، والمهنية، والصناعية، والتجارية، والثقافية، ووضع بدلاً منها تنظيمات حزبية مختلفة، ليملأ الفراغ الناتج عن هذا الغياب. وإلى جانب ذلك قام الحكم الشمولي، بتفتيت المجتمع عن طريق هيمنة طائفة واحدة على الحكم، والجيش، والنظام الإداري، والتجارة، وأعمال المال.

وعودة الروح الديموقراطية لن تكون إلا بإعادة مؤسسات المجتمع المدني التي تم القضاء عليها.

-6-

ومن الناحية الاقتصادية، فقد تم تدمير الاقتصاد العربي عن طريق قيام الاقتصاد الموجّه، وإلغاء نظام اقتصاد السوق. وتمَّ دمج السلطة السياسية بالاقتصاد دمجاً قسرياً وقهرياً. وأصبح الوطن العربي بعد ذلك هو الغني الفقير، وهو العاطي المُستجدي في الوقت نفسه، حيث تمَّ توجيه الموارد نحو بذخ السلطة السياسية وفسادها، وترك الشعب جائعاً وعارياً.

-7-

إن الديموقراطية العربية لا تقوم إلا بقيام نظام قضائي حر، وبإقرار سيادة القانون.

لقد كان لُب وقلب الديموقراطية الغربية، أن "لا أحد فوق القانون"، في حين أن معظم الديموقراطيات العربية الزائفة، أدت إلى أن "لا أحد تحت القانون". ورغم أن كافة الدساتير العربية تُقرُّ - وبالخط العريض - استقلالية القضاء وحريته، إلا أن القضاء العربي ظل موجهاً توجيهاً سياسياً فاضحاً. ولعل واحداً من الأدلة على ذلك جاء من أعرق أنظمة القضاء العربية.