عندما اختار الناخبون البريطانيون في شهر مايو الماضي ألا يعطوا الأغلبية البرلمانية المطلقة لحزب المحافظين أو لحزب العمّال ،الركيزتين التاريخيتين للحياة السياسية البريطانية ،دفعوا البلاد ،في الواقع، نحو حقبة سياسية جديدة.
إن الحكومة البريطانية الحالية برئاسة المحافظ دافيد كاميرون ونائب الرئيس الليبرالي نايك كليغ ،هي الصيغة الائتلافية الجديدة للحكم منذ حكومة الائتلاف الوطني التي شكّلها ونستون تشرشل من المحافظين والعمّال لمواجهة تحديات الحرب العلمية الثانية.
لقد قرر الناخبون البريطانيون الانتهاء من 13 سنة سادت فيها حكومات عمّالية برئاسة توني بلير ثمّ غوردون براون ،لكنهم رفضوا أن يوقّعوا "شيكا على بياض" لحزب المحافظين .وعبّروا في الوقت نفسه عن رغبتهم في "التجديد" عبر إدخال عنصر جديد إلى الحكومة ممثلا بالليبرالي نايك كليغ.
ما يتفق حوله المراقبون هو أن كليغ عرف ،أثناء المناظرة التلفزيونية غير المسبوقة في بريطانيا، كيف يقدّم لنفسه صورة حيوية غير تلك " المؤطّرة" لخصميه ،كاميرون وبراون. هذه الصورة بالتحديد هي التي دفعت ،على الأغلب، العديد من الناخبين للاقتراع له، وليس أطروحاته حول تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين أو حول انضمام بريطانيا إلى منطقة اليورو أو القول بعدم استبدال الغوّاصات النووية بجديدة في حال انتهاء صلاحيتها للاستخدام.هذه الأطروحات كلّها لا تحظى بشعبية كبيرة في بريطانيا كما تدلّ مختلف استطلاعات الرأي.
بدا الائتلاف بين المحافظين والليبراليين محتوما على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.فالمحافظون كانوا متمسّكين بالعودة إلى السلطة والليبراليون كانوا يتشوّقون لخوض تجربتها بعد الإقصاء عنها لعقود طويلة.لكن هذا الوضع الجديد شكلا ومضمونا يبدو ،وهو في شهره الثالث، قابلا للاستمرار بعد أن أصبح "خصوم" الأمس هم "شركاء" اليوم كما أشار كليغ نفسه. ووضع ـ مثل كاميرون ـ مسألة الائتلاف الحالي في منظور الاستمرارية . ويذهب في نفس الاتجاه واقع أنهما قد صاغا "اتفاقية الائتلاف" من 36 صفحة لتحديد أهداف الحكومة حتى أفق عام 2015 .
التحدّي الأول و"الأكبر" الذي تواجهه بريطانيا في عهدها الجديد يتمثّل في تخفيض الديون العامّة. للتذكير كان المحافظون قد كرروا لأسابيع قبل الانتخابات الحديث عن مخاوفهم من أفق أن تعرف بلادهم مصيرا شبيها بالذي عرفته اليونان. بل وأشاروا آنذاك إلى أن حكومة ائتلافية لن تكون قادرة على اتخاذ القرارات المطلوبة. لكن هذا لا يمنع أن المحافظين والليبراليين قد جعلوا اليوم من تقليص الديون هدفهم الرئيس. وكخطوة أولى تبنّت الحكومة برنامجا طموحا لتخفيض الإنفاق العام بنسبة 50 بالمائة من الآن وحتى عام 2014. وهناك برنامج تفصيلي ـ متفق عليه ـ لتنفيذ هذا البرنامج .
ومن المتغيرات الجذرية في العهد الجديد مشروع إصلاح المؤسسات. المقصود أوّلا وأساسا بهذا إعادة النظر بقانون الانتخابات في سبيل إفساح المجال أكثر أمام الأحزاب الصغيرة للمشاركة في الحياة السياسية للبلاد.إعادة النظر هذه كانت مرفوضة بحزم من قبل المحافظين قبل الانتخابات الأخيرة.لكن كاميرون وجد التبرير لـ "التنازل" الذي قبل فيه بعرض "التعديل الدستوري" الذي يجري إعداده على الاستفتاء الشعبي العام.
وتحّول عميق آخر في بريطانيا "الجديدة" يكمن بتبنّي دافيد كاميرون سياسة "أقل عدائية" و"أكثر عملية" حيال القارّة القديمة أوروبا. هكذا كانت زيارته الأولى بعد عدّة أيام من انتخابه هي إلى فرنسا ثمّ إلى ألمانيا. ولا شكّ أن التحالف مع كليغ، الليبرالي المتحمّس لأوروبا، لم يكن بعيدا عن التراجع في إعلان عداء كاميرون لأوروبا، بل هو ثمرة مباشرة له. لكن هذا الموقف "العملي" لا يلغي واقع "حساسيته"، بل حذره العميق حيال المؤسسات الأوروبية. وهو بهذا في موقع "التلميذ النجيب" للسيدة مرغريت تاتشر .
في المحصّلة تُبدي ملامح الوضع البريطاني اليوم أن الناخبين لم يقوموا في شهر مايو الماضي بمجرّد تغيير الحكومة بل دفعوا نحو ما يشابه " ثورة صغيرة".