كثيرا ما يستشهد بعض الوعّاظ بالإجماع بغرض إثبات قطعية كلامهم، وإغلاق المجال أمام مخالفيهم! وبعضهم يذهب ليُنقّب في الكتب باحثا عن عالم حكى الإجماع ليُعزز كلامه، ثم يعرف الخلاف في المسألة ولكنه ينقل الإجماع ولا يلتفت للخلاف! ونَسُوا أو تناسوا أن هذا الأسلوب مخالف لشرع الله، حيث كان حكيما في جعل الناس في سعة من حيث اختلاف فهومهم وآرائهم، وهذا جاء في مواضع كثيرة في الكتاب والسنة، من أهمها إقرار النبي عليه الصلاة والسلام لاختلاف اجتهادات الصحابة في فهم أمره لهم وغيرها.

وكما في الكثير من الآثار التي اجتمعت على أن خلاف الأمة رحمة لهم؛ إذ كان فيها سَعَةٌ لاحتواء اختلاف الآراء والفهوم، ولكن البعض أحيانا لا يريد أن يفهم مقاصد الشرع إلا كما يشاء هو! وكم من المسائل التي أراد البعض أن يُفضي عليها القطعية في السابق وهي الآن من البدهيات ضد ذلك الرأي! كل هذا بسبب التجاوز الذي لم يأمر به الله وعدم الموضوعية في بحث وإصدار الأحكام على النوازل والأمور الحادثة.

أعود لمسألة الإجماع (والمقصود الإجماع بين علماء الشريعة كدليل شرعي)؛ حيث يردد البعض دعوى الإجماع في بعض المواضع سعيا منه لحسم الخلاف لصالحه، حيث هناك العديد من النقاط التي تحتاج إلى علاج هنا.

من أهمها؛ أن نقل الإجماع بدون علم وتثبت نوع من القول على الله بغير علم، وفيه من الإثم أعظم ربما من مخالفة ذلك الإجماع المُدعَّى! ولذلك يقول الإمام أحمد رادّا على مدعٍ للإجماع في مسألة من المسائل؛ "هذا كذب، ما عِلْمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافا، فهو أحسن من قوله إجماع الناس". ونقل عنه ابنه عبدالله أنه قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه"، وللإمام الشافعي كلام نحوه أيضا.

وهناك خلاف في أصل الاحتجاج بالإجماع أصلا، حيث نقل عن عدد من العلماء القول بالاحتجاج بإجماع الصحابة فقط، ونقل عن ابن تيمية وغيره، وبعضهم حدده بإجماعهم إلى ما قبل انتشار الصحابة، وهذا يشير إلى تحوّط العلماء وعمق فهمهم لمقاصد الشرع ومعانيه.

وعندما نستدل بالإجماع على مسألة ما، فهل يعني هذا أنه لا يجوز الاجتهاد فيها نهائيا؟ أم أن المسألة تحتاج إلى تفصيل؟

الحقيقة أن الإجماع القطعي الذي لا يجوز الخلاف فيه بأي حال، هو في مسائل قليلة، وكلها قد دل عليها القرآن والسنة بدلالة القطع، مثل وجوب الصلاة والصيام والزكاة ونحو هذه الأحكام.

ولو أردنا شرح ما هو الإجماع الذي لا تجوز مخالفته اجتهادا؟ فيمكن تلخيصه بالتالي:

هو الإجماع الذي تحققت فيه شروط الإجماع المتفق عليها والمختلف عليها أيضا، حيث باختلال شرط من الشروط حتى لو كان مختلفا فيه؛ فإن هناك من يقول بعدم تحقق الإجماع فلم يكن قطعيا بذلك.

كما أن من شروطه؛ أن يُنقل الإجماع بالتواتر، لأن نقله بطريق الآحاد يفيد الظن؛ ويجب أن يكون صريحا لا سكوتيا؛ وأن يكون منقولا على أصل من أصول الفرائض، التي هي من المعلوم من الدين بالضرورة التي يعرفها الخاصة والعامة من المسلمين كما ذكر ذلك الإمام الشافعي؛ كما يجب أن يكون مستند الإجماع دليلا قطعيا، ويجتمعون على كونه قطعيا، وغير ذلك من الشروط.

كل هذه الشروط وغيرها نلاحظ منها تشديد العلماء على الإجماع القطعي، بينما نشاهد اليوم بعض الوعاظ أو المندفعين يجاهدون في التضييق على اجتهادات الناس! وهناك من وصل إلى التكفير في قضايا هي في الحقيقة ظنية بمعنى أن أدلتها ظنية تحتمل التأويل أو جاءت بطريق ظني لا يجوز التكفير به!

ولذلك من أهم معالم الإجماع القطعي الذي لا يُقبل خلافه هو ذلك الإجماع الذي جاءت الشريعة بالقطع فيه من حيث النقل ومن حيث الدلالة.

وأنواع الدلائل القطعية معروفة في أصول الفقه، وكذلك قطعية النص من حيث النقل معروفة في أصول الفقه ومصطلح الحديث أيضا.

أما الإجماع الظني وهو الأكثر فهناك عدد كبير من العلماء قالوا بعدم حجية هذا النوع من الإجماع أصلا، وآخرون قالوا بأنه حجة ظنية ولا يفيد القطع واليقين كالإجماع القطعي.

هناك مسائل حُكي واشتهر فيها الخلاف، ومسائل حكي فيها خلاف، ومسائل نقل فيها أقوال عن عالم أو عدد محدود من العلماء، فهذه الحالات كلها يجوز فيها الخلاف طالما استند القائل إلى حجة شرعية صحيحة من حيث الاستدلال.

وهناك مسائل لم يُنقل فيها خلاف للعلماء "الإجماع السكوتي"، وهذا محل خلاف مشهور للعلماء، هل الإجماع السكوتي حجة أو لا، والأكثر على أنه ليس إجماعا، واختلفوا هل هو حجة ظنية أو لا.

وأغلب الإجماعات المحكية لدى الفقهاء هي في الحقيقة من هذا القبيل إلا ما كان في أصول الدين كما سبق بيانه، ولذلك فإن سعة الصدر في الخلاف وعدم التشديد على الناس في آرائهم مخالف لمقاصد الشرع الحكيم وفيه تشديد على الناس، خاصة مع انتشار العلم وكثرة المتعلمين اليوم.

هذا الكلام لا يعني تبرير الإباحية في كل شيء، وأن كلا يحق له مخالفة الشرع، بل يجب أن يكون الرأي طبقا لشروط الاجتهاد الشرعي طالما كانت القضية مرتبطة برأي شرعي. ولكن لا يجوز لأي أحد أن يحاول غلق الباب أمام خصومه والآخرين بأن يجبرهم على رأيه؛ فيحاول إكراههم بدعوى الإجماع غير الدقيق، لينصر رأيه الخاص.