حادثة العراك التي عرفت في الأيام الماضية بـ"عراك مسجد الفردوس"، والتي وقعت بين مصلين بعد أن قام خطيب مسجد الفردوس في مدينة الرياض بالدعاء على وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي بقوله: "اللهم اجتث بشار والسيسي"، هي انعكاس واضح لمستوى تسييس الدين الذي وصلنا إليه في عالمنا العربي، وتعبير عن مستوى الاحتقان الذي أنتجه الفكر الإقصائي الذي يعتقد بأنه صاحب الحق والوحيد المعني به.

دعاء الشيخ في حد ذاته هو تعبير عن رأيه الشخصي والذي قد يختلف مع مجمله البعض وقد يتفق معه البعض، ورغم ذلك فإن استغلال المنابر للترويج لأجندات سياسية وحزبية كان وما زال تجاوزا غير مقبول، وهذا بطبيعة الحال ليس أمرا حديثا على مساجدنا، بل لنا تاريخ في تجاوزات عديدة مشابهة، تجاوزت الجهات الرسمية عن بعضها بينما تعاملت مع بعضها الآخر بحزم.

على الجانب الآخر من القضية، فإن العراك في حد ذاته، والذي نشب عندما اعتدى مواطن متحمس لخطاب شيخ مسجد الفردوس والذي يعلن فيه عداءه الصريح للنظام الذي يحكم مصر الآن، والذي أطاح بحكم جماعة الإخوان المسلمين السياسي، على ذلك المصري الذي اعترض على الشيخ وكأنه يقول: "إنت مالك ومال بلدي مصر"، أقول: إن ذلك العراك هو دليل واضح يكشف أن في بلادنا من غرق فعلا في التحزب واتباع الخطاب الإسلاموي المضلل والذي يبث الصلاح والتقوى، بينما هو في ذات الوقت يعمل كالسرطان بزحفه نحو تفكيك الكيانات الوطنية في سبيل إنشاء دولة الإخوان العالمية.

الكره الذي عبر به ذلك الضارب "بعقاله" هو انعكاس وتعبير عن واقع البعض ممن افتتن باتباع مشايخ التطبيل والتبعية لمرشد هو قائد سياسي في دولة ليست هي السعودية، وبالتالي فالولاء لخطابه ونهجه هو اتباع زعيم دولة أجنبية، ومدخل لطرح ألف تساؤل حول معاني الوطنية التي يؤمن بها ذلك المتحمس وأمثاله من المغرر بهم بخطاب سياسي وشّح بعباءة دينية.

لقد استطاع "الإخوان" بعصبيتهم المقيتة أن يدخلوا "العراك" إلى بيوت الله، حيث يذهب المؤمنون للصلاة والتعبد، وقدموا للعالم نموذجا جديدا لمبادئهم في التعبير عن الرأي، وذلك باستخدامهم الرفس والضرب بالعقال، وليدللوا للعالم أن فكرة الاختلاف بالرأي معهم أمر غير مقبول ولن يرد عليها إلا بالقوة، فكيف بالله على المؤمنين أن يثقوا بعقلية تضرب في بيت الله وتغلف الديني بالسياسي!