في كتابه (المقبرة وذاكرة الآخرة) يحصي الطبيب البريطاني جي. إل. واتسون ما يقول إنه 300 وسيلة أو سبب للموت عبر التاريخ الإنساني، من السكتة القلبية حتى الوفاة تحت أنقاض انهيار ثلجي، ومن الموت بالصعق الكهربائي تنفيذاً لقانون أو حكم إلى لدغة فراشة سامة في أدغال أفريقيا، بكل ما بين هذه الأمثلة من بقية الأسباب، سأضيف لإحصائية الطبيب البريطاني سبباً جديداً للوفاة من الخيال والاختراع العربي: أن تكون صدفة في مسجد في إحدى المدن العربية تعبد الله وتطلب منه موفور الأمن والصحة. وحين شاهدت تلك المقاطع التلفزيونية الفظيعة عن الدماء والأشلاء في مسجد بمدينة طرابلس اللبنانية عرفت كيف يكون قدر هذا الإنسان العربي مع أسباب الموت وصدفه. أكثر نقاط الأمان في حياة الإنسان قد تتحول صدفة إلى (مقبرة تبدأ منها ذاكرة الآخرة). في عالمنا العربي، أصبح المسجد يتآمر على مرتادي المسجد الآخر، ذبحاً على الهوية أو انتقاماً من خطبة. هي ذات المساجد التي نشرت نور الإسلام في بقاع الأرض وهي ذات المساجد التي ابتدأت فيها فكرة الشورى ورسالة الإسلام والسلام.

تقول بعض الأرقام إن سيارات وقنابل الموت المفخخة قد قتلت في العقد الأخير وحده في بيوت الله عز وجل ما يصل إلى 8 آلاف ضحية. من باكستان إلى أفغانستان، ومن سورية إلى لبنان ومن العراق إلى ليبيا، قبل أن تدخل دولة وشعب مثل مصر الآمنة المطمئنة إلى إحصاءات المقبرة وذاكرة الآخرة.

لم يعد سؤال الإنسان العربي عن الاستخلاف والبناء هو ذات سؤال النوع الإنساني: كيف يعيش الإنسان وكيف يحيا؟ بل كيف يموت وبأي وسيلة سيقتل؟ وحين توقف العقل العربي عن مسيرة التاريخ ومسايرة الاختراع والابتكار في الحضارة البشرية من أجل الحياة، كحامل لرسالة الاستخلاف، تحول تفكيره إلى كيف سيموت وكيف سيخترع الوسائط والوسائل لأكثر أنواع الموت فحشاً وبشاعة؟ حين تخلى العرب عن إسهاماتهم الخالدة كناقلين وجسر بين حضارات التاريخ المتعاقبة صار دورهم أن يكتبوا لهذا الطبيب البريطاني أسباباً للقتل والموت قد تضيف له بضع صفحات في كتابه عن سهم العربي في الحضارة المعاصرة.