يعيش الإنسان ـ في العصر الحديث ـ نوعا من الهوس المادي أفقده الكثير من قيمه الإنسانية، فأمسى وقد فقد أمنه النفسي بعد أن ضاع أمنه السياسي، والثقافي، والاجتماعي والغذائي، فكأن هذا العصر عصر تضاؤل الأمن واختلال الموازين، فحكم علاقاته مع بني جنسه قانون الغاب، الذي أفنى كل هذا العمر في تعديله وتغييره، ووضع بدائل له هي مجموعة من القوانين والأعراف ظلت حبرا على ورق، دون أن يستطيع الخروج من دائرة الحيرة التي تلفه، ودوامة الشك التي تتقاذفه، ودوامة القلق التي تبتلعه وتوغل في إذلاله باسم التقدم، وتفتيت روابطه مع إخوانه البشر باسم الالتزام.

يعيش الإنسان اليوم في المحافل والمعاقل والسجون والمختبرات، فيرى نفسه صانعا للمعجزات، صانعا للخير، وصانعا للغد الأفضل، فهو في المحافل يصرخ اقتناعا بما يقول ويفعل.

أما السجون، فهي سجون فهمه الضيق التي نضجت فيها المادية والأنانية، إنها سجون التبعية للغير، وسجون الخوف من المستقبل، باختصار هي سجون الأنا. ويعود هذا الإنسان بعد عاد وثمود وأيكة وتبع وفرعون ليدعي الإلوهية من جديد، لكنه يفعلها هذه المرة بذكاء. كيف لا. وهو من وطأ على سطح القمر، وهو صانع أطفال الأنابيب، وواضع إستراتيجية حرب النجوم، وها هو الآن يريد أن يحتل المريخ ليفسده كما أفسد الأرض.

لم يسلم شيء من همجية إنسان اليوم. إنه يخاف الفقر وهو في منتهى الغنى، يخاف الضعف وهو في أوج القوة، ويخاف التمزق والتفكك فيسعى إلى تكريسهما، والنتيجة؟ مئات المذابح والمجازر، وملايين عمليات الانتحار الفردية والجماعية التي لا تحمل في طياتها سوى معنى واحد يعبر عنه بلفظ واحد هو الحيرة.

صحيح أن إنسان اليوم ضبط قوانين المادة وأحكم القبضة على أسرارها فطوعها بحسب مشيئته ورغبته وهواه، لكنها كانت مشيئة التدمير والدم، والرغبة في التسلط والتملك.

صحيح أن إنسان اليوم غير معالم جزء، بل أجزاء، من كون أوجده خالقه ليخدم هذا الإنسان ويطيعه، لكن نجد أن هذا الإنسان يعود في خاتمة المطاف فيعلن أن حساباته كانت خاطئة، وأن عليه أن يعيد النظر في هذه الحسابات من جديد، وإلا فإنه لن يكون إلا رقما في طابور القتلة والمأجورين والمُسيرين والذين على الهامش.