لنحدد بعض الأمور التي يتفق معها أغلبية العقلاء ممن يضعون الإنسانية أساسا في العمل السياسي، وركيزة جوهرية تربط العلاقات بين الأمم، وتحدد الآليات التي تدار بها الدول، فنقول إن ما يحدث في سورية اليوم من إبادة جماعية للشعب من قبل النظام الحاكم، وذلك من أجل الحفاظ على نفسه، هو النقيض الصريح لإدارة الدولة بمنطلق إنساني، بل هو تجسيد واقعي للوحشية بأوضح صورها وتجلياتها.
وضمن ذلك المنطلق نقول، إن دفاع أي دولة أو نظام أو حزب أو مجموعة عن الانتهاكات التي تقع في الشقيقة سورية، عبر تبرير ما يحدث، واعتبار ذلك مؤامرة دولية لإسقاط نظام صامد ضد العدو المشترك، هو تضليل وتمويه عن حقيقة نظام قبيح الأفعال، ودموي التربية، وسادي التفكير.
ولكن لننحي جانبا ما تم الاتفاق عليه في المقدمة أعلاه، ولننظر للموضوع من ناحية موضوعية وبعيدة عن الجانب الإنساني، ولنتناول ما يحدث من الناحية السياسية. سنرى بأن التدخل العسكري الذي سبق أن طالبت به قبل أكثر من سنة، هو الحل الوحيد للحفاظ على أمن منطقتنا من التوسع الإيراني، الذي أصبح كالسرطان ينتشر في الجسد العربي، من مشرقه إلى مغربه، وهو التوسع الذي يعود في تقديري لأسباب تتعلق بالهيمنة الفارسية في مقابل الهيمنة التركية التي أصبحت لها مخالب بعد أن اكتسبت بفعل إخوانية نظامها السياسي تعاطفا في العالم العربي لم يعكر خططها سوى انكسار مشروعها المصري.
تحركنا الخليجي الساعي لدعم إسقاط النظام العميل لإيران، يجب أن تتكفل به ماديا جميع الدول التي لها مصالح في إجهاض المشروع الفارسي وليست فقط دول الخليج، وعلى الدول العظمى التي تتحدث صبح مساء عن مشروع تدخل لأسباب إنسانية أن تخرج بأجندتها الصريحة عبر إعلان نواياها، والتوقف عن لعب دور المنقذ في وقت يعلم الجميع أنها لا تتحرك إلا لتحقيق مصالح اقتصادية وعسكرية.
يجب ألا نستغرب ونستهجن نوايا الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا في مسعاها التوسعي من أي تحرك عسكري تقوم به، فنحن كما هم لا تحركنا فقط العواطف، بل هي المصالح التي تحدد اليوم مكاننا في لعبة الكراسي المعقدة التي تشهدها المنطقة، فسقوط بشار وأزلامه هي البداية المرتقبة فقط، والخوف كل الخوف من مرحلة ما بعد بشار، فتجربة العراق وليبيا خير دليل على تضليل الساسة باسم الإنسانية.