الأسبوع الماضي تداخل معي الأستاذ فيصل الحميد، بتغريدة من حسابه بموقع التواصل الاجتماعي تويتر قائلا: "جميل على عادتك أستاذ صالح، إنني أتمنى لو نشرت مقالاً يسلط الضوء على (فقه التعايش)، كرؤية ثانية على مقالك الرصين (فقه الواقع)".

وأظنه قد انطلق من رؤيته ومشاهداته الخاصة للعالم العربي والإسلامي تحديداً، وانعكاسات ما يحدث من صراعات مختلفة على الأرض في هذه الفترة التاريخية، والذي فقدت مجتمعاته التركيز على المحاور الاجتماعية والأخلاقية الرئيسية، المنطلقة هي الأخرى من رؤية دينية وسياسية واجتماعية بحته. إذ يُعتبر (فقه التعايش) الغائب جزئياً عن المشهد الحالي، من أصل الثقافة الإنسانية الأصيلة، بل أحد أهم جذورها التاريخية أيضاً، التي مكنت الإنسان من التقدم كثيراً على المستويات الحضارية، وفتحت له آفاقاً أرحب لفهم عوالمه وخفاياه، فالتاريخ مليء بالقصص والأحداث المعبرة عن سلوك الإنسان ذاته، وطريقة تناوله لتفاصيل وجزئيات يومياته. وقد ارتبطت تعاملات المسلمين في هذا الشـأن تحديداً بالبعدين الديني والعرفي الصرفيين، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن التعريف أو التنظير للمصطلح، لأنهم طبقوا مضمونه بعيداً عن الاستفهامات، حدث ذلك قديماً حين لم تكن الحياة المادية والسياسية طرفاً مؤثراً في دولاب الحياة البشرية كما هي عليه اليوم، والذي كرست فيه الدولة السياسية بسلطاتها المختلفة سياطها الأيديولوجية على النسق الاجتماعي وقيمه، وقسمته إلى فئويات مقيتة على أسس دينية ومادية، في الوقت الذي كان مفترضاً أن تقضي فيه على شكل القبيلة (الهدام) كما تصنفه النظرية الاجتماعية الحديثة، لكن المنطلقات الفكرية السياسية والدينية (الضالتين) اللتين دعمهما التغير الجغرافي الذي قطع أوصال المجتمع العربي والإسلامي، ألقت بظلالها السلبية على كل مناحي التواصل الإنساني الخلاق في المحيط العربي والإسلامي، محدثة شروخاً نفسية متباينة في صلب البنية الاجتماعية من المحيط إلى الخليج، وتسبب الخلط العميق في فهم مصطلح (الذمّة) المتعارف عليه دينياً واجتماعياً قديماً، ومصطلح (المواطنة) الحديث في الذهنية العربية والإسلامية؛ بخللٍ كبير أنتج ما نلمسه اليوم من حالات التشاحن النفسي، التي تصل أحياناً كثيرة إلى درجات قبيحة من التصنيف والشقاق والعداء لامثيل لها! وهي من نتائج تغييب جزء مهم من العقل البشري العظيم، ففي الوقت الذي يرى فيه بعض المنظرين الدينيين المتشددين، أن التعايش في المفهوم الليبرالي الذي يتبنى مصطلحات حقوق الفرد في الدولة المدنية الحديثة؛ هو السكوت عن الظلم والفساد اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وتكريس لهدم الفضيلة بكل مفاهيمها النبيلة، بحجة الكم الهائل من التحرر الذي تدعو إليه مفاهيم الفكرة الليبرالية، يرى بعض الليبراليين المتشددين أيضاً أن التعايش في المفهوم الديني إقصائي، يجنح بالمبادئ الإنسانية إلى مناطق عنصرية لا أخلاقية غير مقبولة! وهذا التضاد في تصوري غير مفهوم من أصله، فالمنطلقات هنا ليست متكافئة وغير منطقية، ولا تعبر عن وعي بأسس اللغة الحوارية بين الطرفين، إذ إن مقارنة (الدين) بمجموعة تعاليمه، يجب أن تكون بدين آخر لا بفكر كالليبرالية أو العلمانية مثلاً، وهو نوع من الضلال والجنوح المعرفي المنطقي، فالدين مجموعة من التعاليم والنصوص السماوية، والفكر بأنواعه مجموعة من المفاهيم والأفكار، ويخضع كلاهما (التعاليم السماوية والمفاهيم الفكرية) لجدوى الوعي وإجادة التطبيق وليس شيئاً آخر، ومثل تلك العشوائية في التناول لقضايانا الاجتماعية الجوهرية، تجعل مفهوم مصطلح التعايش مشوشاً وغائماً في الوعي العربي والإسلامي.

لقد أصبح فهم (فقه التعايش) معضلة حقيقية تعيشها العقلية العربية الإسلامية، منذ اقتران الرأي (المذهبي) الديني بالسلوك السياسي البراجماتي (المُشخصن)، الذي يرى في شخص الحاكم أو الخليفة رمزاً لضمان حماية الدين واستمراريته قوياً! والذي بدأ بالتشكل مع بداية ظهور السياسة البراجماتية للدولة الإسلامية البسيطة في عصور تاريخية سابقة، وهو ما لم يكن موجوداً في الفترة النبوية الشريفة التي سبقت عصر الدولة، فالرسول صلى الله عليه وسلم تعايش مع اليهود في يثرب (المدينة المنورة) وغيرها، بل وتحالف معهم وحماهم وصاهرهم وهم على غير ملته، فلماذا لا يتفهم المسلمون اليوم تلك المعاملات والأفعال النبوية وهم أحوج ما يكونون إليها، وهم أنفسهم المتحدون في الدين المختلفون في المذاهب لا في العقيدة؟!

اليوم في العصر الحديث، مع ظهور أشكال وأنظمة الدولة المعقدة ازداد الأمر تعقيداً، وبات هناك أكثر من مفهوم كـ(المواطن والمقيم والوافد والأجنبي) الحديثة، التي تعتبر جزءاً من مفهوم (الذمّة) الأكثر شمولية، فكل المواطنين والمقيمين والأجانب باختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية، هم أهل ذمة في النظام الحديث للدولة الحديثة، الذي لا يقوم على أساس ديني عقدي يصنف الآخر، ولزم الانتباه لهذا المتغير الجديد، وتفعيل آليات جديدة تدخل في إطار (فقه الواقع)، الذي يدخل (فقه التعايش) ضمن مكوناته الأساسية الكبرى، الكفيلة بضمان الحفاظ على وحدة النسق الاجتماعي وبنية الدولة الحديثة، والنظر إلى هذا المتغير بعين العقل لا بعين الانتماءات العاطفية الأنانية، أو النزعات الأيديولوجية الضاغطة، وطالما كفلت الدولة بأنظمتها الحقوق المدنية لكل المتواجدين على ترابها، فإنها تكون قد فعّلت مفهومي (فقه الواقع) و(فقه التعايش)، وحققت الهدف الأسمى لوجودها واستمراريتها وازدهارها.