منذ اللحظة التي توفي فيها عبدالرحمن السميط – رحمه الله - والرغبة تتملكني للكتابة عن هذا الرجل، لكن ماذا أكتب والكثيرون قد استفاضوا في سرد سيرة حياته وإنجازاته للدرجة التي تضع كل المحاولات هنا في خانة التكرار! هل أمدحه إذاً وأثني عليه نظير إنجازاته العظيمة؟ في الحقيقة هذه الفكرة تروق لي، فالسميط يستحق كل ثناء، غير أنني إن مدحته فسيحمل مدحي له كشفاً لعوراتنا أمام العالم! يكفي نظرة في إعلامنا لنرى كيف يقوم المحتاجون في عالمنا العربي باستجداء عطف وشفقة الأغنياء والمؤسسات الخيرية، كأن "فاعل الخير" لا يبذل من الخير إلا بالقدر الذي تُستثار فيه عاطفته الصدِئة عبر صور البؤس التي تُراق من أجلها الكرامة! حينها وإن أعطى فسيُعطي تكفيراً عن سيئاته! وهكذا كلما مدحت السميط في جانب كُشِفت عوراتنا في المقابل. لهذا قررت أن يأخذ القلم مجراه دون ترتيب مسبق.

لنتأمل في 11 مليون إنسان، الذين اعتنقوا الإسلام بفضل من الله – سبحانه - ثم بإصرار وإخلاص السميط، ثم لنسأل: ما سِر السميط في إسلام كل هذه الملايين؟ في الحقيقة ليس في الأمر سِر، فالقرآن وسيرة النبي – عليه الصلاة والسلام - مصادر مشاعة للمعرفة، ومنهما يستطيع المرء التعرف على سِر إسلام تلك الملايين على يدي السميط، معرفة أن من أراد السيّر على نهج السميط سيجد أن حاجته للموارد المادية الضخمة والإمكانات المُكلِفة مسألة ضرورية لكنها ثانوية، لأن العامل الأساسي في هذا الطريق هو تلك الخِصال الإنسانية الجميلة "مكارم الأخلاق"، أسوة بالنبي – عليه الصلاة والسلام - الذي خاطبه الله بقوله: "ولو كنت فظاًّ غليظ القلب لانفضّوا من حولك". والآية تحمل رسالة لكل البشر، أن من يكون فظاً غليظ القلب سينفض الناس من حوله، وهذا هو سِر السميط وسِر كل من ترك أثراً طيباً في هذه الحياة الدنيا.

إن التمسك بالقيم الإنسانية الجميلة "كالتواضع، البساطة، الزهد... إلخ" مسألة ليست سهلة إلا عند النطق، لأنها عند التطبيق تصبح صعبة وشاقة ولا طاقة للكثيرين بها، لأن هذه الصفات الجميلة في الإنسان لا قيمة لها إن لم يمتلك الإنسان ما يُغريه بعدم التمسك بها، فتأتي الصعوبة أولاً في امتلاك ذلك الشيء، ثم في مقاومة النفس الأمارة بالسوء.

للتوضيح.. نحن لا نُشير إلى إنسان ما بأنه مُتواضِع إلا إذا امتلك الأسباب التي تغريِه على الكبر، أسباب مادية، اجتماعية، معرفية.. من يمتلك إحدى هذه الأسباب أو كلها ثم يتواضع، يكون قد بدل جهداً مضاعفا في امتلاك مسبِبات الكِبر، وجهداً في مقاومة النفس الأمارة بالكِبر.. كذلك الأمر بالنسبة للبساطة، أن يمتلك الإنسان الأدوات التي تُيسِر له التكَلف حتى يُشار إليه بالبنان، كشيخ يخطُب في الحضور بأسلوب مُتكلِف ولغة مُقعرة ليُبهِر الحضور ببلاغته وإن يستوعبوا شيئاً! طبعاً البساطة لا تقف عند هذا الحد فهي تمتد لتشمل المأكل والملبس والمركب وكل شيء، ألا يتميز رجل الدين عن البقية إذا أراد الوصول إلى قلوبهم، أن يُشعِرهم أنه منهم لا شيخاً عليهم.. وما انطبق على التواضع والبساطة ينطبق على الزهد، فالزاهد لولا امتلاكه المال لما اتصف بالزُهد، والزهد أيضاً يمتد ليشمل أشياء كثيرة، ألا يهتم الداعية كثيراً ببدل الانتداب إذا ما أرسلته دولته للدعوة في الخارج، ألا يبحث عن أفخم المساكن.. إلخ من تلك الصفات الإنسانية، التي هي سِر السميط وكل المؤثرين على مدى التاريخ.

مثل هذه الصفات الإنسانية التي أسهمت في إسلام 11 مليون شخص على يد السميط، لا تعني أن الأمر لا يحتاج لمتطلبات أخرى، غير أن المقال لا يتسع لكل شيء! لذلك سأنتقل إلى معنى آخر هنا، أن السميط استطاع إقناع الملايين على الخروج من مِلتهم إلى مِلة الإسلام، ورغم صعوبة الأمر إلا أنه نجح، هنا سأضطر إلى طرح السؤال: ما بال دُعاتنا الإسلاميين إذاً؟ منذ عقود وهم يُوزِعون المنشورات الدعوية ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويخطبون في المساجد ويلقون بالمواعظ، ثم وبعد كل هذا المجهود الجبار نرى في العرب من يتجه إلى الإلحاد بكثرة، ومنهم من يهز كتفيه غير مبال! لنضيف إذاً سبباً آخر غير مكارم الأخلاق، سبباً يتمثل باتباع الأمر الرباني "لا إكراه في الدين"، لأن الإنسان بطبعه يكره أن يتم إكراهه على أي أمر وإن كان ذلك الأمر خيرا كالدين، والخطورة هنا أن الإكراه في الدين وفي كل خير يجعل الإنسان يتجه إلى اللادين أو إلى ارتكاب الشر بحثاً عن حريته!

في الأخير.. المطالبة بأن يكون كل الدعاة نسخة عن السميط مطالبة غير منطقية، لكن التحلي بالصفات الإنسانية الجميلة، كما تحلى بها السميط هي خير سبيل لعمل الخير أينما كان، وعمل الخير ليس مقتصراً على هداية الضالين أو دعوة غير المسلمين، لأن له أوجهاً متعددة بتعدد أوجه الحياة نفسها، فتعلموا يا دعاتنا من شيخ الدعاة – رحمه الله -.