قال لي: دع عنك الثرثرة واكتب عندك أن كثيرا من المشاريع التي لا ترى النور في وقتها أو لا يكتب لها أن تعتمد رغم أهميتها وحاجة المواطنين لها سببها "نحاسة" بعض المسؤولين!

قلت له كيف، وبما أنك مسؤول: فسر لي كيف يمكن أن تكون "نحسا"؟

أجابني غاضبا: أولا أنا لست بـ"نحس" بل أجزم أنني عانيت كثيرا بسبب نحاسة بعض المسؤولين معي، كما أجزم أنني كثيرا ما كنت سببا في إزالة نحاسة بعضهم لحرصي على عدم مقابلة النحاسة بنحاسة مماثلة، ولحرصي على إزالة كل حجر يقف عثرة أمام مصالح الناس، ولهذا ناضلت وكافحت وتعبت وربما أحيانا توددت و(قبلت الخشوم) بغير رغبة من أجل أن أكسر تلك النحاسة عند بعض المسؤولين، ولتتم الموافقة على جزئية من عمل متوقفة على جهة ما.

قلت له: حتى الآن لم تشرح لي من هو المسؤول "النحيس"؟

قال لي أنا لا أقصد بـ"النحس" ما يعني عكس المحظوظ، بل أقصد بـ"النحس" الشخص العنيد وغير المتجاوب، والذي لا يحب أن يساعد ولا يحب أن يرى الآخرين ينجزون وينجحون، فنحن نعاني من نحاسة سيطرت علينا وباتت أساسا في أعمالنا، فالكثير من المسؤولين ومن هم تحتهم يظنون أن الإدارات التي يعملون بها ملك لهم، ولهذا لا ينظرون ولا يساهمون ولا يتجاوبون مع ما فيه مصلحة عامة وما لم يكن ذلك العمل في محيط مكاتبهم أو قطاعاتهم فقط، ومن هنا تتعرقل المشاريع والأفكار والمبادرات الرائعة وكل عمل يحتاج إلى شركاء وتنسيق، فالكل لا يريد أن يشارك في عمل لا تكون له فيه الكلمة العليا، والكل يريد أن ينفرد بالنجاح لأنهم لم يعتادوا ولم يستوعبوا أهمية التنسيق والتكامل والعمل المشترك.

نحن نعاني من أنانية متعبة، ومحبطة، وتعمل بشكل كبير على قتل الأفكار وتعطيل المشاريع لأن ثقافة المسؤول عندنا وكما أسلفت قائمة على الأنانية، وعلى الظن بأن الجهة التي يديرها ملك له ولأسرته، ولهذا يمارس تلك النحاسة بكل برود، وتمتد النحاسة سنوات وسنوات وتتعطل مشاريع وتتأخر مبادرات وتموت أفكار، لأن ذلك المسؤول لا يؤمن بالتنسيق ولا يؤمن بالعمل المشترك ولا يعي أهمية التكامل في العمل، فهو من تلك النوعية التقليدية التي ينصب جل اهتمامها في الشكليات وما تعارف عليه بين تلك الإدارات الحكومية بـ"مالنا شغل فيهم".

كنت أستمع لذلك المسؤول وهو يحاول أن يعرف لي معنى "المسؤول النحس" وأنا في قرارة نفسي أعرف مقصده لكنني حاولت أن أستفيد مما سيقول لأعرف كيف أكتبه هنا لكم، ولست أدري هل تمكنت من إيصال الفكرة لنعي ونحارب ونكشف عن المسؤول النحس، الذي من حيث يعلم أو لا يعلم لا يخدم الوطن ولا يخدم ما ترنو إليه الدولة لشعبها، ولهذا ينبغي ألا يكون له مكان في أي موقع.