طبقاً لأغنية "فيروز" الشهيرة يعتبر طائر "الوروار" من أجمل طيور العالم لوناً وأكثرها تألقاً. وبشهادة علماء الحياة الفطرية، يتواجد من هذا الطائر 24 نوعاً ويعيش في المناطق المعتدلة مثل بلاد الشام والصين وأستراليا، والمناطق الاستوائية مثل وسط وجنوب أفريقيا وشرق الهند، وينام في أعشاش الأشجار بالقرب من الماء، ويأكل النحل بمعدل 70 نحلة في اليوم. وكانت مدينة دمشق من أشهر مدن العالم التي يأوي إليها طائر "الوروار"، الذي انقرض بسبب تعرضه عبر السنوات الأخيرة لتجارب الغازات الكيميائية السامة، ولم يتبق منه سوى الأعشاش التي شيدها على الأشجار في حي "عش الوروار" بمنطقة "برزة" الدمشقية.

إلى جانب تكدسه بمئات العائلات الفقيرة من الطائفة العلوية وآلاف الشبيحة من مخلفات الجيش الأسدي، يتميز حي "عش الوروار" بوجود أحد أكبر مخازن الأسلحة الكيميائية في العالم. طبقاً للإحصائيات الدولية، تمتلك سورية اليوم أكثر من 1250 طنا من الأسلحة الكيميائية، محصنة في 13 مخزناً تحت الأرض، لتشكل رابع أكبر ترسانة من السلاح الكيميائي على مستوى العالم بعد أميركا وروسيا وإسرائيل، وأكبرها في الشرق الأوسط. كما تمتلك سورية الصواريخ والقذائف القادرة على حمل الأسلحة الكيميائية، التي تشمل 500 صاروخ من نوع "سكود" و2000 صاروخ "أرض-أرض". وكانت سورية قد حصلت على تقنية وأنظمة إنتاج هذه الأسلحة من روسيا بتمويل إيراني، بينما حصلت على المواد الكيميائية من شركات سمسرة أوروبية في هولندا وسويسرا وفرنسا والنمسا وألمانيا. وقامت سورية بتعزيز قدراتها من خلال إنشاء مركز الأمن الوطني الذي يرأسه حالياً اللواء "علي مملوك"، الضابط العلوي المقرب من الرئيس الأسد، والمشرف على منشآت الأسلحة الكيميائية في "الضمير" و"خان أبو الشامات" و"خان العسل" وحي "عش الوروار".

تأكيداً للقانون الدولي الإنساني بعد الحرب العالمية الأولى، تم إبرام اتفاقية حظر استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية عام 1925، التي تم تعزيزها في إبرام اتفاقية القضاء على الأسلحة البيولوجية عام 1972 واتفاقية القضاء على الأسلحة الكيميائية عام 1993. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى حظر استحداث وإنتاج واحتياز وتخزين الأسلحة الكيميائية والاحتفاظ بها أو نقلها أو استعمالها من جانب الدول الأطراف في الاتفاق. كما اتفقت كافة الدول على تدمير كل ما قد تحوزه من مخزونات هذه الأسلحة ومرافق إنتاجها، وتعهدت بالتقيد بمبدأ إجراء عمليات تفتيش في أراضيها في أي وقت وفي أي مكان من دون أن يكون لها الحق في رفض ذلك، للتأكد من تنفيذها لبنود الاتفاقية، التي نجحت في تدمير 80% من أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها الدول.

من أصل 192 دولة في الأمم المتحدة أبرمت 188 دولة في 14 يناير 1993 اتفاقية إنشاء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي اعتُمِد نصّها في مؤتمر نزع السلاح في جنيف بتاريخ 3 سبتمبر 1992، لتصبح السعودية طرفاً فيها بتاريخ 29 أبريل 1997، وعضواً في مجلسها التنفيذي المكون من 41 دولة. وتمثل الدول الأعضاء في هذه المنظمة 98% من شعوب المعمورة و96% من الصناعة الكيميائية القائمة في جميع دول العالم. وكانت سورية على رأس قائمة الدول التي رفضت التوقيع على هذه الاتفاقية.

أسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً 4 أنواع: النووية أشدها فتكاً، والبيولوجية أكثرها تعقيداً، والكيماوية أقدمها استخداماً وأعظمها تحريماً، والراديولوجية أندرها إنتاجاً وأحدثها تطويراً. وتعتبر الحروب الهندية القديمة من أوائل من استخدم الأسلحة الكيميائية قبل 3000 سنة، بينما تعتبر الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات بين 1980 و1988 من أواخر الحروب التي استخدمت السلاح الكيميائي، وذلك خلال 155 يوماً من أصل 2890 يوماً من القتال خلفت أكثر من مليون قتيل. وقد كان العراق الطرف البادئ باستخدام هذه الأسلحة واعتمد عليها بنسبة 76% أكبر من الجانب الإيراني.

وتتكون الأسلحة الكيميائية من 5 عناصر أساسية: أولها عنصر الخردل الكبريتي القلوي الذي تظهر أعراضه خلال فترة تتراوح بين ساعة و24 ساعة، والعنصر الثاني "في إكس"، الذي يماثل العنصر الثالث "السارين" في مفعوله القاتل. أما العنصر الرابع فهو غاز "الكلورين"، وهو أثقل من الهواء مما يجعله قريباً من سطح الأرض ليتفاعل بقوة مع العديد من المركبات الحيوية محدثاً الحرائق والانفجارات. والعنصر الخامس والأخير هو غاز "السيانيد الهيدروجيني" عديم اللون وشديد الاشتعال. جميع هذه العناصر عالية السُمِّية بحالتيها الغازية والسائلة، ويؤدي استنشاقها والتعرض لها إلى متاعب تنفسية تؤدي للانهيار وإصابات خطيرة للجلد والعيون والجهاز التنفسي، وتتسبب في إضعاف النخاع العظمي وتسمم الجهاز العصبي، وتؤدي للموت خلال دقائق إذا لم يتم علاجها فوراً بإزالة التلوث وتغيير الملابس وغسل العيون والجلد بالماء مع تناول الأدوية.

بعد مجزرة السلاح الكيميائي بمنطقة "الغوطة" الدمشقية قبل أسبوعين، سارعت القوات الخاصة التابعة للنظام السوري بعملية سرية في حي "عش الوروار"، حيث سيطرت على الحي بشكل كامل وتعاونت مع قطعان الشبيحة في نقل موجودات مخزون الأسلحة الكيميائية من غاز "السارين" إلى مناطق متفرقة تمهيداً لطمس معالم جريمة النظام الأسدي، التي ذهب ضحيتها 1429 مواطنا سوريا و426 طفلا دمشقيا والمئات من طيور "الوروار".

وما زالت أغنية "فيروز" الشهيرة تصدح محاولةً الاطمئنان على ما تبقى من الشعب السوري: "دخلك يا طير الوروار، رُحْلَكْ من صوبن مشوار، وسلم لي عالحبايب، وخبرني بحالن شو صار"!