دائما وأبداً يلعب الإعلام إما دور البطولة (التنوير) أو دور "الحاوي" المُسلي، الذي يلعب بالكرات الملتهبة فقط، من أجل فغر الفيه من التعجب والغرابة والدهشة، "التغييب". والغرابة والدهشة من أدوات الحاوي، واللتان هما عنصرا الجذب لديه. كما أنهما ركنان هامان أيضاً من أركان الخبر الثلاثة "الغرابة والدهشة والطجازة"، (المصداقية)، فإذا ما غاب أحد هذه الأركان كان الخبر غير إعلامي بالمرة، فإذا ساد في الرسالة الإعلامية عنصرا الغرابة والدهشة فقط، تحول اللاعب إلى بهلوان!

إن الخبر هو الهالة الرئيسة في جميع المواد الإعلامية، ولذا فرحنا واستبشرنا حين نشأت لدينا قناة الإخبارية، فالخبر أهم وأشمل ما يحصل عليه المواطن وأيضا العالم بأسره؛ لأننا أصبحنا جزءا من هذا العالم شئنا أم أبينا.

ولنا السبق في اختراع الخبر وترويجه عن باقي بلاد الله، فنحن أول من اخترع هذه الآلة في عمل (المنادي) حين كان يجوب البلاد والأصقاع يقرع طبلته وينادي "يا أهل البلاد.. يا أهل البلاد.. خبر هام"، هذه الآلة الجبارة تلعب دورا قد لا تستطيع أن تلعبه الجيوش المجيشة، ولذلك حملت اسم (القوة الناعمة)، وبالتالي تحتاج إلى قادة ومعدات وخطط وخرائط ومعلومات وأشياء تفوق تجهيز الجيوش والدفاعات البرية والجوية والبحرية وما إلى ذلك. بالإضافة إلى مراسلين وتقارير ولقاءات مع مفكري العالم العربي منه والأجنبي لتحليل هذه الأخبار والأحداث لأنها تغير وجهة العالم.

ولقد أنشئت على مستوى الوطن العربي عدة قنوات إخبارية في مصر والمملكة ولبنان وغير ذلك، إلا أننا لم نجد أيا منها إخبارية بالمعنى المهني على غرار الـbbc على سبيل المثال! فالقناة الإخبارية لها مقومات ولها أدوات ولها كلمات تنطلق في ربوع العالم تخبره بكل ما يجري في ربوع العالم أيضا، بكلمات وصور وتقارير، وتنطق بلغات مختلفة ولعل أهمها اللغة الإنجليزية لأنها أصبحت لغة عالمية معروفة لدى قاطني الدنيا كلها. فهل لدينا قناة إخبارية تحمل معنى هذا المصطلح؟! لأننا لم نعد نحيا بمفردنا! فالخبر كما أنه يهمنا بمنتهى المصداقية والحيادية، يهم كل فرد في أرجاء الدنيا وخاصة صانعي القرار فيها. ولقد اكتشفنا أن العالم لا يعرف عنا شيئا. وأن حكاية، أنه يعرف حركات "العجل في بطن أمه" حكاية أسطورية لا أساس لها، حين اكتشفنا نحن وغيرنا ذلك التخبط العالمي في التقارير والمعلومات والاعتماد على قناة إخبارية عربية واحدة "الجزيرة" ثم تنقل عنها أكبر قناة أجنبية cnn معتمدة عليها وعلى كاميراتها ومنها إلى عدة قنوات وهو ما بات أمرا ممقوتا، لأن الحقيقة لا بد أن ترى من عدة زوايا ومن مصادر متعددة ليكون الحكم سليما بعد التحليل والمقارنة.

المملكة بلد لديه الإمكانات في إقامة قناة تفوق بكثير حجم قناتي الجزيرة وCNN وغيرها، لتعمل على توازن الخبر وإظهار الحقائق، دون أي ميول واتجاهات مع هذا التيار أو ذاك، وتنوير الرأي العام العالمي؛ فنحن في أشد الحاجة إلى قناة إخبارية لا تقضي جل ساعاتها - مع العلم أن الثانية لها قيمتها في هذا المجال- في لقاءات ومناقشات تغرق في المحلية! وإن تناولت أخبارا عربية وعالمية مرت عليها مرور الكرام، وفي حقيقة الأمر هي قنوات ناطقة بالعربية، ونحن نحتاج إلى مخاطبة العالم الخارجي وتبيان الحقائق دون مواربة أو تضليل، فلم يعد لدينا ثقة في أي صورة إخبارية نشاهدها في أي مكان، بعدما شاهدنا إحدى تلك القنوات العربية غير المهنية، تعتمد على الديكور والألوان والتمثيل في كوادر تمثيلية مصطنعة، ثم تصدرها إلى الإعلام الخارجي، ويهرع الرأي العام العالمي والمحلي، للترويج لها ونحن نضرب كفا بكف لما يحدث، دون مراعاة للمهنية والأمانة العلمية التي أقسمنا عليها قبل جر سن قلم أو إهدار نقطة حبر! أين التوازن الخبري وأين القنوات الدولية، فالعالم يتابعنا بشغف ونحن نتثاقف بعضنا على بعض كالحمائم في قفص ضيق ينقر بعضها بعضا!

الإعلام له فنونه، بشقيه الإعلام التخديري والإعلام التنويري، ولعل الأول أشد وأنكى، لأن فنون التخدير أداة سيطرة وهيمنة، فيعمل على تجزئة المشكلات الصغيرة والإمعان في التفصيلات الدقيقة، وعملية التفتيت هذه تعمل على غياب الوعي الجمعي، فيعمل على ما يسمى بالحقن تحت الجلد من أجل التغييب! وهذه كارثة شهدناها في إعلامنا العربي بأكمله في الحقب السابقة، فغاب الوعي! وغياب الوعي الجمعي هو ما أدى إلى هذه المشكلات العربية من المحيط إلى الخليج، والعالم الخارجي لا يتناول إلا النتائج! فأصبح الوطن مائدة يقتات عليها الإعلام الخارجي، ونحن نمعن في التفصيلات!

والإعلام التنويري هو ما يعمل على إيقاظ الوعي وتنوير الذهنية، فلا تقبل تلك (الخزعبلات) التي أودت بالوعي في الشارع؛ فتصبح كل الحقائق نسبية في وقت لا تُحتمل فيه التكهنات!

في وقتنا هذا لا شيء يسمع سوى الشرعية، الشرعية الدستورية، الشرعية الدولية، فهل للإعلام شرعية؟! بطيعة الحال الشرعية الإعلامية من أهم هذه الشرعيات، ولكنه يجمعها محور واحد وهو الصدق والمصداقية، فحين تهتز المصداقية تهتز كل هذه الشرعيات، ويفقد الإعلام شرعيته حينما لم نعد نثق في أي خبر أو تحليل أو برنامج لا يتجه سوى إلى هوى توجه هذه القناة أو تلك!

"الإخبارية" قناة جادة وفيها رجال أكفاء، ولها أسس بنيت عليها، إلا أنه ينقصها الكثير من الإمكانات ليتسنى لها البروز والحضور الإعلامي العالمي، إضافة إلى اللغة الإنجليزية وما أحوجنا إلى ذلك، فالغزو في زمننا هذا هو الغزو الإعلامي!

وبحكم تواجدي في جمهورية مصر العربية ومعايشتي لكل ما يحدث رأيت وسمعت هذه الأكاذيب والتضليلات التي تنقل إلى العالم الخارجي من خلال قنوات ما أنزل الله بها من سلطان، وأوطاننا أمانة في أعناقنا، فلا يجب أن نترك الساحة لنوافذ "قنوات" عربية أخرى تضرم النار في أوصالها. فمتى نرى "الإخبارية" إخبارية؟!