دائما يتندّر البعض بدعوى الخصوصية التي أحيانا تؤخذ مبررا لكل شيء! ولكن في الحقيقة أن من تلك الخصوصية؛ أنه بينما في كل دول العالم يُدرّس القانون تحت سقف كلية واحدة مثلا؛ فإنه لا يوجد في الحقيقة شخصية متآلفة للقانون السعودي! حيث إن جزءا كبيرا من "القانون السعودي" - إن صح التعبير- منثور بين ثنايا كتب الفقهاء القدماء للشريعة، وهو يُدرّس في كليات الشريعة غالبا، وأما الجزء الآخر؛ فهو مجموعة أنظمة وقرارات تشريعية تدرّس في كليات أخرى مستقلة تحت مسمى الحقوق أو القانون!

حالة الانفصام هذه لها أسباب لا أود الخوض فيها، ولكن أود نقاش بعض النقاط حول هذا الموضوع؛ حيث إن هذه الحالة أدّت بلا شك إلى ضعف شديد في البنية التشريعية أو القانونية للبلد بشكل عام. كما أنها أدت إلى عدم تبلور شخصية مستقلة حديثة للقانون السعودي "الإسلامي" يغطي شتى مجالات الحياة، وبقي الأمر يُدار من خلال الاجتهادات الشخصية إما بطريقة بدائية لا تفي بمتطلبات الحياة أو باللجوء لاستنساخ القوانين من الخارج مع التحفظ على الجوانب المخالفة للشريعة.

لا يمكن أن أخفي إعجابي بالثراء العميق في الفقه الإسلامي، وكيف أن كثيرا من النظريات القانونية الحديثة لدى الغرب هي في أساسها لدى المسلمين منذ أكثر من ألف عام! إلا أننا للأسف وضعنا حواجز أمامنا منعتنا من تطوير القانون الخاص بنا بشكل يتوافق مع متطلبات الحضارة الحديثة.

حتى في مجال صياغة الأنظمة واللوائح التشريعية التي تصدر من هنا وهناك، نجد الفرق واضحا في جودة صياغتها وإحكامها الذي أثر فيها واضعوها أقانونيون أم شرعيون هم. ولا شك أن هناك تنافسا بين المدرسة الشرعية للقضاة والمحامين وبين المدرسة القانونية لدينا، حيث كما قلت سببها الانفصام الذي نعيشه منذ مرحلة مبكرة وهي مرحلة التأهيل في الجامعات!

وفي نظري؛ أنه لا غنى لأي منهما عن الآخر في بلد كبلدنا يعتمد الشريعة ولله الحمد، إلا أن هناك الكثير من الأمور التي تنقص صاحب التخصص الشرعي البحت، حيث ينظر غالبا للأمور من خلال قاعدة الحلال والحرام فقط، ويغفل الجوانب المهنيَّة في عمله سواء كان قاضيا أم مستشارا أم محاميا. وعلى سبيل المثال؛ أحد الزملاء المحامين "تأهيله شرعي" في استشارة له عن ما هو القانون الواجب التطبيق في علاقةٍ بين سعودي وأجنبي سيجري التحاكم بينهما في الخارج، حيث أجاب بأن القانون الواجب هنا هو النظام السعودي كونه قائما على الشريعة ولا يجوز التحاكم لغيرها، بينما الأمر خاضع لقواعد القانون الدولي الخاص في ذلك، ولا يمكن أن يقال هذا الكلام لجهة أجنبية خاصة أنها غير مسلمة أيضا!

أعود لإشكاليات نقص الثقافة القانونية لدى بعض الشرعيين؛ حيث نجد مثلا أن الصياغة التشريعية موجودة في التأهيل القانوني، وكيفية صياغة القوانين بشكل محكم وكذلك صياغة الأحكام والعقود وما إلى ذلك، بينما لا يتم التطرق لهذه الأعمال المهنية في كليات الشريعة غالبا والتي تخرّج القضاة والكثير من المحامين، بل لا توجد هذه الأعمال من ضمن أدبيّات تلك المدرسة، وما أحوجنا لمثل هذه الثقافة سواء لدى القضاة أو المستشارين أو حتى المحامين.

هناك ما يسمى بنظرية الفاعليّة للقانون (Positivity of Law)، بالإضافة لنظرية المعيارية أو الاختبارية للقانون (Normativity of Law)، وهما يدوران حول تحليل القانون، فالأولى من خلال اختبار مدى فاعلية القانون بالدراسة والتنبؤ للنتائج المترتبة عليه، وأما الثانية فهي تضيف للأولى بوضع التوصيات والحلول للنتائج التي يُتوَّصَل إليها من خلال النظرية الأولى، سواء بمعالجة القصور أو بوضع تصورات تجعل من القانون أكثر فاعلية، وبالمناسبة فإن هاتين النظريتين مفيدتان كثيرا في العلوم الاقتصادية وارتباط التنمية الاقتصادية بالقانون.

أعود للنظريتين اللتين يتحدث عنهما القانونيون، حيث من خلالهما يصبح القانوني عندما يشارك في وضع نظام ما أو لائحة أو حتى عقد بين مستثمرين؛ فإنه يحتاج كثيرا إلى أن يمتلك العقلية القانونية التشريعية، فمن خلالها يستطيع تنبؤ الإشكاليات التي يمكن أن تنشأ في المستقبل، ويحاول أن يضع آلية لتجاوز تلك الإشكاليات، كما أنه يحتاج إلى العقل القانوني الذي يستطيع حلّ المشاكل الحالية بطريقة التراتبية القانونية التي تضعف كثيرا لدى غير القانونيين.

عندما أطرح هذه الإشكالية العميقة لدينا، والتي نجد آثارها بدءا من الجامعات، وبعدها تسلسلياً في الجهات القضائية من جهة وشبه القضائية من جهة أخرى، أعتقد أنه بالإمكان إيجاد حلول لهذا الانفصام، بدءا بالجامعات من خلال إنشاء كليات خاصة بتخريج القضاة والمحامين، تكون نواة لتأسيس القانون الإسلامي "السعودي" المعاصر. وكذلك بإيجاد حل لتناثر اللجان شبه القضائية بين الوزارات والجهات الحكومية لدينا، والتي تجاوز عددها أكثر من مئة لجنة شبه قضائية، وذلك لا يمكن أن يقع دون أن يوضع له قاعدة تأهيلية يمكن البناء عليها.