كيف مسحت قناة "الجزيرة" كل تاريخها المهني وكيف سقطت بمثل هذا السقوط الصاروخي من الجو للأرض؟ الجواب بسيط: لأنها اصطفت في الطابور العربي كحزب، لا كناقل صورة وخبر، ولأنها تخندقت مثل العرب في الميدان ضد الميدان. لأنها كشفت بعد هذه المليارات الهائلة من الصرف الإعلامي الذي لم يصرف من قبل في تاريخ الإعلام العالمي، أنها مثل (المنار) مع حزب الله أو مثل قنوات (القبائل) الفضائية حيث لكل قبيلة قناتها الخفية.
سأبدأ مثال هذا التقريب في معيار السقوط المهني لقناة كانت من قبل أملاً عربياً في موضوعية الإعلام ومهنيته، بما يحدث اليوم على قناتها (الجزيرة مباشر مصر). سنقرأ على شاشتها حركة الرسائل النصية القصيرة (SMS): وعلى أصابعي حسبت عشرات المرات اتجاهات هذه الرسائل الكثيفة كمؤشر للتعبير عن الرأي العام في البلد المستهدف وهو في هذه الحالة الشقيقة مصر. ومن بين كل خمسين رسالة نصية لن تجد أكثر من رسالتين ضد الحزب أو الجماعة التي قررت هذه القناة الشهيرة أن تصطف خلفه، وهذا يعني كمؤشر دلالي أن ما لا يقل عن 95% من الشعب المصري مع الجماعة والحزب. إما أنهم ينظرون للمشاهد العربي على أنه محتوى عقلي فارغ كي يغسلون عقله ثم يملؤونه بهذه الرسائل، أو أن سدنة هذه القناة من الغباء المركز بحيث يتجاهلون أن المشاهد نفسه يعرف تماماً أن مصدر هذه الرسائل برمتها يأتي من الغرفة المجاورة لذات أستوديو القناة. حتى الأخطاء الإملائية بين صلب هذه الرسائل تأتي متكررة مثلها مثل ذات الكلمات والعبارات التي تبرهن أن شخصاً أو أشخاصاً محددين بعينهم هم من يكتب كل هذه الرسائل نيابة عن شعب وعن أمة. هذا التزوير الأخلاقي في مثل المثال السابق لا يسقطه سوى الحقائق الدامغة في أن ذات المجتمع والشعب - على أضعف الأيمان - كان منقسماً تماماً بين ميدانين مثلما أيضاً كان منقسماً في صناديق الاقتراع الرئاسي بنسبة مئوية منتصفة. على أقل الأحوال، ولحفظ ماء الوجه ولاحترام عقلية ذات المشاهد، كان على القناة أن تنحاز كما اختارت لنفسها، كحزب، ولكن بشيء معقول من التوازن.
وكل الجواب أن قناة الجزيرة مسحت كل تاريخها، لأنها تصرفت مع كل أحداث الأعوام الأخيرة كحزب مستقل ومنحاز بشكل سافر، وهذه هي أهم معايير الهدم الإعلامي وأبرز أدوات تقييمه. وأكثر من هذا، فبدلاً من أن تتحول لحزب، اختارت أن تكون جزءاً من حزب. وخذ من الأمثلة الأخرى أنها احتلت في تونس (لا مصر) مرتبة عاشرة من بين عشر قنوات فضائية في استطلاع استقصائي لمعرفة مصادر استقصاء المواطن التونسي للأخبار من بين قنواته الإخبارية المفضلة بعد أن كانت في المرتبة الثانية قبل عامين في ذات الاستطلاع الإحصائي. لكن ذروة السقوط في الثقة بقناة الجزيرة، التي كانت من قبل مصدر تشكيل للوعي تكمن في لقطة شاردة قالها اثنان من (شباب الإخوان) على قناة مصرية محسوبة تماماً على جبهة (تمرد)، وهما يعلنان في بداية المقابلة التلفزيونية الطويلة: لقد اخترنا الحديث عبر قناة أخرى لأننا نعرف أن المزاج المصري العام لا يثق بكل ما تقوله قنوات (الجزيرة) المختلفة. وأنا هنا لست (براغماتياً) لا يعرف أولاً طبائع الإعلام العربي ولا يدرك أن لكل وسيلة إعلامية أجندتها الخاصة وتوجهاتها المدفونة. أنا أدرك تماماً أنه حتى في الإعلام الأميركي المتشدق بالموضوعية فإن (فوكس نيوز) تنحاز للمحافظ الجمهوري، مثلما تنحاز (ABC) إلى الليبرالي الديمقراطي، وبمثل هذا التوصيف تنحاز الصحف القومية الكبرى في أي بلد ومجتمع. لكن طبيعة الإعلام المعيارية لابد أن تضع هدفاً وخطاً أحمر فاصلا لا يقتل ثقة المشاهد أو القارئ في معايير الموضوعية والمهنية. وفي هذين المعيارين بالتحديد تحولت قناة الجزيرة إلى مجرد نكتة مثلما تحول كل مقدمي نشرات أخبارها وبرامجها إلى (دمى) شكلية هم أقرب إلى مخرجي المسرحيات الهزلية، وخصوصاً حينما يحاولون إقناع مشاهديهم بالكذبة الكبرى (بالرأي والرأي الآخر).