يطرح الاستخدام المتكرر من قبل الصين وروسيا، في مجلس الأمن الدولي لحق النقض "الفيتو"، أثناء مناقشة الأزمة السورية، ورفضهما لتطبيق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، مسألة جوهرية حول ما يحكم العلاقات الدولية، ومرجعية الصراعات بين الدول، وطرق التعامل معها.

في الآونة الأخيرة، تكرر استخدام عبارة اختطاف مجلس الأمن من قبل روسيا والصين، على لسان عدد من المسؤولين الأميركيين، وقادة الدول الأوروبية. وترد وسائل الإعلام الروسية على ذلك، بالقول بأن ما جرى هو وجه آخر، لانتهاء مرحلة الآحادية القطبية، وهيمنة الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، على هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

واقع الحال، أن كلتا الأطروحتين، تعبران عن وجود أزمة حقيقية في توازنات القوة داخل المؤسسات والمنظمات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن. والأزمة في وجهها الآخر، تعكس عجز لوائح ومواثيق مجلس الأمن عن التكيف مع المتغيرات التي تجري في العالم، في موازين القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

فالأساس، أن هذه المؤسسات من صنع المنتصرين في لحظة تاريخية معينة. والتعبير هو عن لحظة زمنية، لا يمكن الإمساك بتلابيبها. والتوقف عند لحظة التأسيس هو بحكم المستحيل، ولا يستقيم مع منطق. والمعضلة أن التغيير محكوم باستراتيجيات وتحالفات، وتحولات كبرى في النظام الدولي لصالح قوى جديدة.

كانت نهاية الحرب العالمية الأولى، والمفاوضات والاتفاقات التي جرت أثناءها، وسقوط السلطنة العثمانية، ورغبة المنتصرين، في وضع نهاية للصراعات والحروب بين الأمم، قد أوحت بأهمية وجود آليات وضوابط تحكم الصراعات الدولية، وتعبر عن مناهج وسياسات المنتصرين في الحرب. حينها خرجت الولايات المتحدة برئاسة وودرو ويلسون، منتصرة من الحرب، وبدأت في التحضير لقيادة المعسكر الرأسمالي، وإزاحة بريطانيا وفرنسا عن الواجهة. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، اختار ويلسون التبشير بقيم الحرية والقيم التي حكمت الثورات في أوروبا، وكان لها الدور الأساس في صياغة الدستور الأميركي.

وعلى قاعدة مبادئ الرئيس ويلسون الأربعة عشر، تأسست عصبة الأمم، كمنظمة ناظمة للعلاقات الدولية. وكان التناقض الصارخ في مبادئ ويلسون، هو وضعه إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ضمن منظومة الانتصار لحقوق الإنسان، حتى ولو كان ذلك على حساب تشريد السكان الأصليين، شعب فلسطين من ديارهم. وهنا كان التماهي بين الاستعمارين التقليدي والجديد، على تنفيذ وعد بلفور المشؤوم.

وفي عصبة الأمم المتحدة، جرت التسوية التاريخية، بين جبابرة الأمس وفتوة اليوم. وافق ويلسون على استعاضة الاستعمار التقليدي عن الاستعمار المباشر لشعوب العالم الثالث، بتعابير تخفي نوايا الهيمنة، فبرزت الوصاية والحماية والانتداب، وجميعها تحمل معنى يختزل في الهيمنة. وتحققت الشراكة بين أوروبا وأميركا، وقبل الأوروبيون أن يكونوا خلف اليانكي الأميركي، خوفا من تفرد الدب القطبي بهم.

لم تصمد عصبة الأمم المتحدة طويلا. فبعد أقل من عقدين على تأسيسها اندلعت الحرب العالمية الثانية، وتغيرت بشكل جذري موازين القوى الدولية. هزم الفرنسيون أمام الألمان هزيمة ساحقة، وتعرضت العاصمة البريطانية لقصف ألماني جوي يومي. وسقطت عدة دول أوروبية أمام قوة الاندفاع العسكري الألماني. ولم يتبق في الساحة، من هو قادر فعلا على مواجهة هتلر، وإلحاق الهزيمة الشاملة به، سوى الولايات المتحدة المحتمية بالمحيط، والاتحاد السوفيتي، المحكوم آنذاك بستار حديدي قاس وصارم، وهكذا كان.

مبادئ ويلسون الأربعة عشر لحقوق الإنسان الرافضة للاحتلال والاستعمار، والمبشرة بفجر جديد للبشر، ليس فيه سيد أو مسود، هي الواجهة التي استثمرها الأميركيون لتنفيذ مشروع إزاحة الاستعمار التقليدي عن العالم، وتسلم الولايات المتحدة عرش الهيمنة الدولية. وقبل الأوروبيون بمنطق الإزاحة، حيث شهدت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، جملة من الحقائق أهمها تأسيس هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والصعود الكاسح لحركة التحرر الوطني في قارات أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. والمعنى جلي وواضح، تراجع فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، كقوى استعمارية قديمة لصالح القوة الصاعدة، قوة الولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذه المرة، استندت الشراكة الأميركية الأوروبية، على تعهد أميركا ببسط مظلتها النووية، فوق أوروبا الغربية، وحمايتها من أي هجوم سوفييتي، وتلك كانت أهم ملامح الحرب الباردة بين القطبين العظيمين. ويتعهد الحلفاء بالانخراط في حلف عسكري تقوده الولايات المتحدة الأميركية، والذي عرف بحلف الناتو. وكانت عضوية فرنسا وبريطانيا والصين الوطنية الدائمة في مجلس الأمن، تعبيرا عن تبعيتها للولايات المتحدة الأميركية، أكثر مما هي تعبير عن موازين القوة بين القوى العظمى.

في مرحلة الحرب الباردة، تبادل الأميركيون والسوفييت استخدام الفيتو ضد بعضهما، وأصبحت المناقشات في مجلس الأمن الدولي، صورة أخرى للحرب الباردة. وشهدت حقبة الحرب الباردة صراعات قاسية حول عدة ملفات: الملف الكوبي، الأزمة الكورية، الحروب في الهند الصينية، الغزو الروسي للمجر، أزمة الكونغو، حرب السويس، قضية استقلال الجزائر، الحروب العربية الإسرائيلية المتكررة.

منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، تربعت الولايات المتحدة على عرش الهيمنة العالمية، ولم يعد بمقدور أية قوة في الأرض منافستها على استخدام الفيتو. والعجيب أن فرنسا هي أول من كسر القاعدة من الدول، حين هددت باستخدام حق النقض، لعدم تمكين إدارة الرئيس جورج بوش من استصدار قرار أممي يجيز له احتلال العراق. ومنذ ذلك الحين، وفي خط تصاعدي كبرت السبحة، وبرز الدب القطبي مجددا، ومعه الصين الشعبية، لينتهي التفرد الأميركي باستخدام الفيتو، ليس بالتلويح ولكن بالاستخدام الفعلي له عدة مرات.

والخلاصة، فإن ما نشهده الآن في مجلس الأمن من اتهامات متبادلة، هو استعادة لروح الحرب الباردة، وهو دليل آخر، على أن السياسات الدولية، لا تحكم من خلال قوانين الخير والعدل، بل من خلال توازنات القوة، وصراع الإرادات، وهي توازنات وصراعات مفتوحة، ومتحركة، شأنها شأن كل العناصر المحركة والخاضة لقوانين التاريخ.