تذكر العالم يوم أمس، الذكرى السنوية الثانية عشرة لأحداث سبتمبر، والتي واجهت فيها أميركا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية هجوما على أراضيها، كان سببا في تغير وجه السياسة الدولية، وإعادة توزيع مناطق الهيمنة بين القوى الكبرى، وغربلة كل مفاهيم السياسة وحقوق الإنسان لتخرج لنا مجددا بوجه جديد مبني على منطق القوة لا منطق العدل والحق.
اليوم تدق طبول حرب استراتيجية في المنطقة، مسرحها الأرض السورية، في وقت لا زلنا نجفف دماء التفتت العربي الذي خلفتها ارتدادات أحداث الحادي عشر من سبتمبر من حرب استنزاف على جماعة طالبان، وحرب تقليدية على النظام البعثي الصدامي، والذي أنتج لنا دولة طائفية بامتياز، ورغم أن العرب قد أجمعوا على ضرورة أن يرحل النظام البعثي الأسدي كما رحل شقيقه العراقي، تبقى هناك تخوفات من أن يخرج لنا من رحم الثورة السورية من يعمل على تحويل النصر المأمول إلى مأتم جديد لما تبقى لنا من عروبة بقيت اسما دون جسد.
سبق أن كتبت في مقال سابق أن الأميركيين يقومون اليوم بحرب إعلامية ضد سورية أكثر من كونهم يخططون بالفعل لهجوم عسكري حقيقي يحرر به الشعب المنكوب فيها، وما زلت مقتنعا بأن الحرب المرتقبة، والتي ربما بدأت فعلا لن تكون بالطرق التقليدية، بل لعلها تكون من خلال إقحام دول المنطقة بشكل أكبر في عملية المواجهة العسكرية من خلال تجييش يتشابه في الهدف ولكنه يختلف في التطبيق عن ذلك النمط الذي اتبع أيام الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، فدور شرطي العالم الذي يقوم به الأميركي اليوم لن يكون من خلال التضحية بأفراد من البيت الأميركي، بل سيكون من خلال تجنيد من تراه قادرا ومستعدا للتضحية بنفسه من أجل قضية يؤمن بها، ومستعدا أن يدفع ثمنها بروحه وماله.
الحرب بالإنابة أثبتت للأميركيين أنها أرخص طريقة لتحقيق المكاسب قصيرة المدى إلا أنها في ذات الوقت الأداة الأمثل لصناعة عدو مستقبلي، وبين الماضي والحاضر نتذكر كيف وصلنا لأحداث سبتمبر، فما يحدث اليوم في سورية رغم نبل الهدف وشرعيته إلا أنه في ذات الوقت قد ينتج لنا ـ إن لم تحسب الأمور من جميع جوانبها وإن لم نستفد من تجارب الماضي ـ قاعدة جديدة من مجاهدي الإقصاء ومجندي دراهم الحرب ممن يعمل لمصالح المال والرسالة المشوهة التي يؤمن بها، والتي يسيرها قلة من قادة الفكر الإرهابي الناقم على نفسه وعلى العالم بأجمعه.