لم أصدق وأنا أذاكر لابنتي التي تدرس في سنتها الابتدائية الرابعة، إنها ويا للعجب وهي في مرحلتها تلك لا تجيد القراءة بشكل جيد جداً على الأقل! والمفترض أنها في هذا المستوى التعليمي تكون قد أتقنت تلك المهارة بدرجة كبيرة جداً، لتدخل إلى مرحلة إظهار مواهبها المختلفة الأخرى كالخطابة والرسم وغيرهما.

مباشرة توجهت إلى بعض المختصين في المجال التعليمي، من مديري مدارس ومعلمين ومشرفين تربويين، للحديث حول هذه المشكلة بشفافية تامة، وقد اتضح تباين الآراء حولها بنسب متفاوتة كثيراً، إذ حمل بعضهم الأسرة جزءاً كبيراً من المسؤولية لعدم تواصلها مع المدرسة، منطلقاً من أرضية قلة وعي الأسرة بالطريقة الجديدة للنهج التعليمي الحديث، الذي يعتمد مبدأ الشراكة بين البيت والمدرسة، لكنه لم يشر إلى دور توعية الأسرة بهذا التوجه، أو إلى المسؤول عن القيام بذلك الدور، ومنهم من ألقى باللائمة على طريقة وضع وتصميم المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية تحديداً، بما لا يتوازى مع واقع المبنى المدرسي المجهز، التي تمنح مساحة كافية للمعلم للقيام بدوره من ناحية، فالمنتج (الكتاب) كورق مطبوع ومنهج مكثف يُعتبر فائق الدقة، لكنه ليس متوائماً مع واقع تصميم المبنى المدرسي الحالي ومتطلبات تنفيذه بشكل كبير، وطرح البعض فكرة أن السبب قد يعود إلى القدرات الاستيعابية والتركيز لدى الطالب، وضرورة خضوعه لاختبارات التقييم الذهنية والنفسية والصحية، وما يشكله ذلك من كشف لما يمكن له أن يكون عائقاً في طريق تقدم التحصيل التعليمي للطالب، فيما ذهب آخرون إلى مشكلات رئيسية تتعلق بالمعلم - وهو العنصر الأكثر أهمية وتأثيراً من وجهة نظري - الذي يعاني من نقص الإعداد والتهيئة الجيدين وبرامج التدريب العالية المستمرة، مما يجعله العنصر الأضعف من حيث الإجادة في الأداء، وناتج الاستيعاب المأمول للمناهج الحديثة وطرق تدريسها، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الحلقة الأقوى في المنظومة التعليمية، لردم الهوة بينه وبين فكرة وسلوك المناهج الحديثة، لتحقيق أعلى درجات التواصل مع الفكر التعليمي الحديث، والتأكيد على ضرورة تحقق رغبة الانتماء لمهنة التعليم، من خلال وضع الضوابط والاشتراطات الكفيلة باختيار الأكفأ للمهنة وليس المتوفر والموجود، فهذا المبدأ لم يعد الآن مقبولاً أو مُبرراً على الإطلاق في ظل تكدس الخريجين الجامعيين.

نتفق على أن وزارة التربية والتعليم تبذل جهداً عظيماً، لتطوير العملية التعليمية لمواكبة التطور السريع للعالم، واستجابة لضغط المتغير وضرورة التواجد في مشهده بقوة، ولا نختلف في أن كل النظم التعليمية على اختلافها من حيث مستويات التطور، تعاني من مشكلات مختلفة تصطدم بها كنتيجة لاختلاف مجتمعاتها، وهي صعوبات طبيعية تظهرها حركة ونسق المجتمع، الذي تمثل تلك النظم التعليمية جزءاً من فعاليته وتفاصيل يومياته، وتقيس حجم تفاعلها وتواصلها مع العمق الاجتماعي، وكذلك مع بقية النظم الأخرى كتلك المتعلقة بالجانب الثقافي والاقتصادي والسياسي والديني، والتي على ضوئها تقوم العملية والنظم التعليمية بأكملها من حيث توجهها وكيفيتها، لأنها في النهاية عملية تكاملية وليست تفاضلية.

من الواضح أننا أمام عملية تفضل الناتج النوعي على حساب الناتج الكمي، وهذا مأزق كبير صنعه قرار تسريع عملية التحول الحالية للتعليم، من النظام التعليمي التقليدي القديم الذي يعتمد أسلوب التلقين، إلى النظام التعليمي الحديث الذي يعتمد آلية التحليل والإفهام الذهنية، وهي الطريقة التي تتطلب توافر عدة عوامل لإنجاحها، منها ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمدخول الاقتصادي المادي للأسرة، ومنها ما يشترط أهلية الوالدين التعليمية وغير ذلك من المتطلبات، وهذا بدوره يضغط على الأسرة - غير المستعدة أو المهيأة - بشكل معقول للقيام بواجبها، كونها أحد أطراف الشراكة المفترضة في العملية التعليمية الحديثة، ولا يصب في مصلحة استراتيجية التعليم الحالية أو المستقبلية، ما لم توضع على قائمة الاهتمامات الرئيسية في أجندة خطة وزارة التربية والتعليم التطويرية.

الحديث عن التعليم ومشكلاته والصعوبات التي يواجهها لا تنتهي ولن تنتهي، لكنني أردت من خلال طرح مشكلة ابنتي في مقالتي هذه، كمثال لما قد يعانيه بعض الآباء أيضاً مع نفس المشكلة وكجزء من واجبي تجاه المجتمع الذي أعيش فيه، ولأقدم نسبة ولو صغيرة من المساعدة في طرح بعض الرؤى والملاحظات وما أعتقد أنه بعض المعوقات، التي تؤخر مسيرة العملية التعليمية وتحد من نجاحاتها والاستفادة القصوى من طموحاتها، ولنبحث عن طرق لوضع الحلول المناسبة لتلك المشكلات والصعوبات، لأننا جميعاً في نهاية الأمر شركاء في العملية التعليمية بشكل أو بآخر، ومن الواجب علينا الانطلاق من هذا المبدأ الأخلاقي، لتحقيق نقطة التكامل المفترضة بين كل الأطراف ذات العلاقة، لينجح أبناؤنا في التعامل مع المتغيرات الجديدة في العالم في طريقهم نحو المستقبل بثقة وأمان ووعي.