-1-
هذه رسالة مفتوحة هادئة عقلانية، تأتي اليوم، وسط هذا الطوفان من المقالات الإنشائية، والخطابية العنترية، و(الزعبرة)، والغوغائية السياسية الزائفة، وإطلاق التحذيرات الخرافية من الاستعمار الجديد، والحسرة على غياب الطغاة، والبكاء المنهمر على أمجاد فانية.
وهذه الرسالة، تذكرنا برسالة المفكر التونسي الراحل العفيف الأخضر للعراقيين عام 2004، وبرسالة الفيلسوف الأميركي والمناضل السياسي توم بين Paine" 1737 - 1809"، الذي كان يقول: "حيث لا حرية هناك وطني" والذي كان رسول الحرية الأميركية، ورسول الحرية الفرنسية كذلك، والذي كان وراء الثورة الأميركية في عام 1776، ووراء الثورة الفرنسية في عام 1789، والذي كان يبحث عن الأوطان التي "لا حرية فيها" ليناضل فيها من أجل الحرية، كما فعل في أميركا وفي فرنسا. وهو الذي اتخذ الأميركيون من كتابه الصغير (الحصافة (Common sense المؤلَف من 47 صفحة فقط، دليلاً سياسياً لهم، والذي كتبه في عام 1776، ووُزع منه مئات الملايين من النسخ، واعتبر أساساً للدستور الأميركي فيما بعد، وأصبح "إنجيل" الأميركيين في ثورتهم على الاستعمار البريطاني والفرنسي، الداعي إلى الحرية والديموقراطية، وأصبحوا يضعونه تحت وسائد رؤوسهم عندما ينامون، وما زال يُدرس إلى الآن في الجامعات الأميركية كوثيقة أولى للحرية والديموقراطية في أميركا.
-2-
نقول للمحتفلين بـ"الربيع العربي":
- لا يكفي الإطاحة بنظام الطاغية. بل لا بُدَّ من القطيعة مع تراثه.
- إن ضياع بلاد "الربيع العربي"، وعودة الظلام والطغيان والظلم إليها، سيكون العودة إلى الدولة المركزية الدكتاتورية، خاصة في البلدان المتعددة الطوائف والقوميات.
- إن المطلوب من بلدان "الربيع العربي" ديموقراطياً، هو الانتخابات غير المزورة، والتعددية الحزبية، مع الاستئناس بتجربة ألمانيا ما بعد هتلر، في التعامل مع الحزب النازي ومناضليه.
- المنع الفوري للشعارات الدموية، التي ثقفت العرب بعبادة الشخصية، والحكم الفردي، والاستهتار بحقوق الإنسان.
- إن التقدم يمر حتماً بظهور إعلام حر، حديث ونزيه.
- في عصر ثورة الاتصالات يشكل الإعلام المستقل عن الدولة، مدرسة الديموقراطية.
- الديموقراطية، في جوهرها، هي رقابة المحكومين لحكامهم.
- لا شيء يعادل التعليم الحديث الديموقراطي، للانتهاء من غسيل الأدمغة الذي مارسته المدرسة القديمة على الأجيال الصاعدة.
- المطلوب اليوم، هو مدرسة قادرة على تخريج عمال الغد: التقنيين، المهندسين، الباحثين، العلماء والأطباء الذين يشكلون رافعة التنمية في بلدان "الربيع العربي".
- مطالبة مجلس الأمن، والحلف الأطلسي، ضمان الأمن، مقابل تخليكم عن العسكرتاريا.
- مطالبة العالم بتحويل الشرق الأوسط، إلى منطقة منزوعة السلاح ومحدودة الجيوش، لتحويل الموارد المادية والبشرية التي تُصرف على امتلاك الجيوش الجرارة وأكثر الأسلحة فتكاً، إلى الاقتصاد، والتعليم، والصحة، ومكافحة الفقر، والأميّة.
- إن تاريخ الشرق الأوسط منذ خمسة آلاف عام، هو تاريخ العنف والحرب والفوضى الدامية، لم يعرف فيها هذا الشرق السلام إلا فترات قصيرة، تطابقت مع فترات الازدهار الاقتصادي. وعلى المحتفلين بـ"الربيع العربي" دراسة تجربتي اليابان وألمانيا غداة هزيمة العسكرتاريا اليابانية، والنازية الألمانية، للاستفادة من خبرتهما في الانتقال من العسكرتاريا إلى دول عزلاء من السلاح، ومن الفاشية إلى الديموقراطية، وانتقال ألمانيا من الدولة المركزية والحكم الفردي إلى دولة فيدرالية، وحكومة فيدرالية.
- لقد استعدت الأنظمة الدكتاتورية استعداداً أمنياً كافياً ووافياً منذ مدة، وقبل "الربيع العربي" بسنوات، لمجابهة ومحاربة كل معارضة محتملة. وهو ما أشارت إليه الدكتاتوريتان البعثيتان في العراق وسورية. فثورة الشعب السوري، مضى عليها حتى الآن حوالي السنتين، وما زال أمامها مشوار طويل، وما زال النظام البعثي الدكتاتوري قائماً حتى الآن. وبعض أرقام التقارير السرية تشير إلى أن الدولة الحاكمة اعتنت وتعتني بالنظام الأمني أكثر من عنايتها بالجيش الوطني، وتدفع لهذه الأجهزة مخصصات مالية سنوية أكثر من مخصصات الجيش النظامي المالية.
- إن قيام ثورات شعبية ضد هذه الأنظمة، لن يكتب لها النجاح إلا إذا توفر اجماع شعبي كبير وكاسح لها، كما حدث في مصر ضد عهد محمد مرسي (ثورة 30 يونيو، 2013)، وإلا إذا توفر دعم خارجي مسلح كما حصل في العراق عام 2003، وكما تم في الثورة الليبية 2011، وكما تحاول المعارضة السورية أن تفعل الآن، في مناشدة أميركا - الكسيحة مالياً - على التدخل العسكري في سورية، وإنقاذ الشعب السوري من حكم الطغاة. ومن هنا نرى، أن من انتقدوا أميركا – سلبياً - في حملتها العسكرية على العراق، وخلعها للدكتاتور صدام حسين، يتراجعون الآن، ويراجعون أحكامهم المختلفة تجاه ذلك، ويطلبون التدخل العسكري ذاته في سورية.
-3-
ومن هنا، سيبدأ رُعاة "الربيع العربي" مسيرة السلام، والتنمية، والبناء العلمي، والثقافي، الذي له قواعد ثابتة وركائز قوية في البلدان المؤهلة، لأن تكون المثال الديموقراطي المُحتذى في العالم العربي سياسياً، وعلمياً، وثقافياً، وتنموياً، إن عرف أبناؤه كيف يكونوا عقلاء، ولا همَّ لهم غير مصلحة الوطن.