سوق عكاظ سوقٌ عربي قُح طوال تاريخه، لكنه غاب قروناً إلى أن بعثته الإرادة السعودية من غياهب الزمن، فأعادت للحلم حقيقته، وللقاء ألقه وبريقه عبر التاريخ، ليصبح "سوق عكاظ" العربي صناعة سعودية مميزة، تحتضنه (الطائف) المكان القديم الذي احتضنه أول مرة.

وبذلك يستطيع سوق "عكاظ" اليوم أن يوضح للعالم أن له تاريخاً حقنت فيه الدماء، ونظِمت فيه أجمل الأشعار، وقيلت فيه أبلغ الخطب، وعقدت فيه أهم الصفقات والاتفاقات، فقد انطلق من الماضي إلى الحاضر، وسيكون الغد به زاهراً، إذ عاد ليستأنف تلك الأنشطة الرائدة بشكل معاصر وطموح دائم لمستقبل مشرق.

اليوم كبُر مهرجان سوق عكاظ 7 سنوات، وعندما نعود بالذاكرة إلى عامه الأول نستحضر تلك الهجمة الشرسة التي شنها متطرفون على المشروع برمته، بعد صدور الموافقة، على إقامة مهرجان سوق عكاظ، إلا أن الإرادة الوطنية كانت أقوى من كل قوى الغلو.. فانتصر الوطن لتاريخه!

حيث تم تدشين أول موسم لسوق عكاظ بإرادة قوية للأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة، الذي عزم وصمم على استعادة سوق العرب الأكبر، ولكن بلا جاهلية! وها هو السوق/ الحلم يبلغ عامه السابع، مستعيداً جمال حلته العربية تاريخاً وفكراً وثقافة وشعراً، ليتاح للمواطن السعودي والزائر العربي أن يرى تاريخه العربي متجسداً بسوق عكاظ أمام الأعين بطريقة تحاكي الواقع الذي كان عليه قبل 1500 عام، حين جالَ خلالها مشاهير العرب ونبلاؤهم وشعراؤهم جنبات "جادّة سوق عكاظ" التي تمتد اليوم لا تهتز لعدو الخيول، ولا تنزعج لصوت الشعراء، ولا تنحني للرياح التي تداعب أطراف الخيام، وأغماد السيوف، وعمائم الفرسان.

مضت سبع سنوات من العمل الحثيث، أثمرت عن استعادة مجد تليد لسوق عتيد من أسواق العرب، تجلت فيه الرؤية الثاقبة على المستقبل، فقد أكد الأمير خالد الفيصل أن "كلمة سوق لا تقتصر فقط على البيع والشراء، بل هي مناسبة لتبادل الفكر والثقافة، ويكفينا فخراً أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز-يحفظه الله– أول شخصية عالمية بادرت إلى الدعوة للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومن خلال سوق عكاظ تمكنا من ترجمة هذه المبادرة في حراك فكري وفتحنا النوافذ لتقديم فكرنا الإسلامي والوطني للعالم، كما أكد الأمير خالد الفيصل أن المأمول من سوق عكاظ ألا يكون سوقاً سعودياً أو عربياً فقط، بل سوقاً عالمياً للإنسانية كلها، وهنا تبرز رؤية الاستشراف للمستقبل الذي يؤمل أن يسهم فيه عكاظ.

إن تجربة استعادة سوق عكاظ مرة أخرى تجربة رائعة وفريدة تسندها أهمية السوق وضرورة وجوده، رغم القرون التي مرت من دونه بعد أن خرّبه خوارج حروراء في بداية القرن الثالث الهجري، إلا أنه تعافى اليوم وعاد سيرته العطرة الأولى رغم كل شيء.

إلا أن الأمل الملح في المستقبل هو كيف يتم تحويل "عكاظ" إلى فعاليات مستمرة، وكيف يكون ملتقى ثقافياً شاملاً يحضره المهتمون من جميع أنحاء العالم.

ومن الجدير أن السوق نجح كتجربة ثقافية رائدة، إلا أن الطموحات الواعدة ما زالت تُنتظر بأن يكون السوق وجهة ثقافية إنسانية عالمية، يحفز العالم على الالتفات إليه، إذ قد تبرز فيه مظاهر الاستثمار الثقافي في جميع الاتجاهات كما في المهرجانات العالمية التي تكون فيها الثقافة رافداً اقتصادياً حقيقياً، حين يجتمع المثقفون والفنانون والأدباء في جانب ليعرضوا ما لديهم، ويجتمع في جانب آخر المنتجون والمستثمرون في مجالات الثقافة المتعددة من أجل عقد الاتفاقات والصفقات، مستفيدين من هذه التظاهرة الكبرى التي ربما تستطيع أن تكون نقطة تحول في الثقافة العربية من خلال الترغيب بالاستثمار الثقافي فيها، مثلما يحدث في المناسبات والملتقيات العالمية الأخرى.