أصبح من المعتاد عند مراجعتنا لكثير من الدوائر الحكومية وغيرها أن نسمع "راجعنا بكرة أو الأسبوع القادم"! وكأن هذه الكلمة مثل الرد على من يقول "السلام عليكم"! حتى إن بعض الموظفين يقولها مباشرة وهو جالس يعبث بجواله ولا يوجد لديه أي عمل! يتساءل الكثير: لماذا لسنا مجتمعا جادّا في عمله؟
يكاد المجتمع يتعارف على الكثير من التساهل وربما يصل الأمر إلى استغراب الشخص الجاد أو ربما كان محل السخرية والاستهزاء من بعض الجهلة!
عندما يلتزم الشخص بقواعد المرور بحرفية فإن البعض يسخر منه! عندما يتوسط قريب أو صديق لدى قريبه أو صديقه ويرد بأن النظام لا يسمح لي بمجاملة أقاربي أو أصدقائي على حساب المجتمع فإنه قد يتعرض للسخرية وربما البغض!
وبصورة أصغر؛ لماذا الطلبة عند الصغر في بداية دوامهم المدرسي يبدؤون دراستهم بازدراء الطابور الصباحي والتمرينات الصباحية! عند ممارسة الرياضة تجد بعضهم يلبس الثوب ويلعب! بينما في المدارس المتحضرة كل شيء له قيمة ويؤخذ بجدية!
في صور تشوّه مجتمعنا؛ عندما تدخل بعض الدوائر الحكومية، تجد المكاتب خالية إلى ما بعد بداية الدوام ربما بساعة أو ساعتين! ثم تجدها خالية أيضا قبل الدوام بساعة وساعتين! تدخل بعض الدوائر أيضا وتجد الموظفين مجتمعين في أحد المكاتب يشربون القهوة والشاي وعندما يأتي المراجع يقولون له بلا أدنى تردد: "راجعنا بكرة" أو يسألونه: "لماذا تأتي متأخرا"؟ مع أن الدوام لم ينتهِ وربما بقي أكثر من ساعة!
وفي صورة أكثر تشويها؛ عندما ترى السيارات في الشوارع وأشكال المخالفة المتنوعة، ووصل الأمر إلى أنك عندما تُنبّه الآخرين بعد خطئهم بحقك يغضبون وكأنك أنت المخطئ من كثرة اعتياد البعض على المخالفة وكأنها أصبحت نظاما! والمشكلة أن نفس أولئك الأشخاص قد تجدهم يتذمرون من العادات السيئة في القيادة وهم أكبر الممارسين لتلك العادات في تناقض عجيب!
لو تساءل أحدهم: هل هذا هو مجتمعنا الحقيقي؟
عاش آباؤنا حياة قاسية للغاية، ولم يكن لهم أن يعيشوا لولا ما كان يملؤهم من رجولة وعزيمة وجدّ، إلا أن الكثير يربطون هذه التصرفات الدخيلة بما بعد فترة "الطفرة" التي جاءت مفاجئة ولم يكن الناس مستعدين لها. لكن؛ لنكن إيجابيين ونحاول تلمس المشكلة وأين الحل؟
بنظري كمحامٍ ينظر للأشياء بنظر النظام؛ فإنني أعتقد أن أغلب المشاكل تكون بدايتها من أحد أمرين؛ إما عدم وجود نظام أو بوجوده ولكنه ضعيف، والأمر الثاني هو ربما عدم تطبيق النظام أو ضعف آليات التطبيق فيه.
ولكي تتضح الصورة بشكل أوضح؛ سأذكر مثالا لكل حالة من الحالتين السابقتين؛ فأما الحالة الأولى فأوضح مثال لها هو عدم وجود عقوبات رادعة للمخالفات المرورية خاصة الكبيرة، فعندما يُغير السائق رقم لوحة السيارة لا يكاد يحدث شيء لدينا، بينما هي عقوبة تُعرض للسجن لأكثر من سنة مع غرامة كبيرة في دول مجاورة، فضلا عن تكرار قطع الإشارة والسرعة الجنونية وهكذا، مما أدى إلى تساهل الناس في نظام المرور! (سبق وكتبت في هذا الموضوع).
إذا؛ بنظري هنا أن القصور النظامي هو أساس المشكلة في هذه الظاهرة قبل تطبيق النظام، الذي يحصل وبشكل متكرر وبلا فائدة بسبب ضعف العقوبات النظامية.
في الحالة الثانية؛ لماذا نجد الانضباط أكثر في دوائر القطاع الخاص؟ السبب باختصار أن الموظف هناك يشعر بالتنافسية أكثر من شعور الموظف العام، كما أنه يخشى الفصل الذي قد يقع ضده متى ما تراخى عن العمل، هذا الأمر يكاد يتلاشى لدى القطاع العام. ولذلك من أمِن العقوبة أساء الأدب كما يقال.
أنا أتساءل لماذا لا نحارب هذه العقلية الهازلة من كل شيء، التي تكاد تنخر مجتمعنا؟ أين نحن من قوله تعالى: (فخذها بقوّة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها)؟ وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"؟
للأسف.. إن هذه الظواهر المجتمعية الدخيلة علينا بدأت تستشري بين أبناء المجتمع خاصة بين الأجيال الناشئة، وللأسف هي ليست محصورة على الطبقة الثرية من المجتمع فقط، بل سرت حتى في بعض أبناء الأسر الفقيرة! كثيرا ما نسمع عن آباء يعانون من بطالة أبنائهم ولفترات طويلة بالرغم من حالة الأسرة الميسورة! لماذا؟
بنظري أن هذا السلوك لم يكن وليد اللحظة بل إن المجتمع ككل يتحمل المسؤولية ويجب أن يشارك المجتمع كله في تربية أبنائه على الجدية، وأخذ الأمور بجد وعناية، وأن يحارب الحالة الهزلية والساخرة من كل صورة جادة في المجتمع. كما إن علاج هذه الحالة الهزلية لا يمكن أن يكون إلا بإيجاد القوانين الرادعة ومن ثم تطبيقها بصرامة بلا تفريق.