يقال إن تعليم حقوق الإنسان يعني مواجهة إشكالية الديمقراطية في المجتمع الإنساني لتربية حقيقية على حقوق الإنسان، ولكن إن كانت المعرفة الحقوقية ووجود المؤسسات الحقوقية لم يغيرا شيئا، ولم يقدما شيئا، فهذا يعني أننا لسنا في أزمة حقوقية وإنسانية فقط، بل نحن في أزمة مع أنفسنا قبل كل شيء.

مر وقت لم نسمع فيه صوتا ـ لاهمساً ولا جهراً ـ للمعنيتين: "هيئة حقوق الإنسان"، و"جمعية حقوق الإنسان"، بالرغم من كل الأحداث الدموية واللا إنسانية والارتباكات والهزات والمفارقات وتصاعد وتيرة العنف الأسري والأخطاء الطبية القاتلة، ووفاة الشاب ماجد الذي مات وهو ينتظر علاجه، وغياب دور وزارة الشؤون الاجتماعية بعد ظهور حقيقة مراكز التأهيل بشهادة الثامنة لداوود الشريان.

بالرغم من هدر حقوق العمالة وأصحاب المنشآت الصغيرة، والأيتام الذين يموتون في صمت، وقصة الشاب الذي مات في دار رعاية الأيتام بجدة، وكل ذلك يحكي لنا قصة الفساد أو الإهمال الكبير.

أقل ما يمكن أن يصرحوا به هو أن يطالبوا هذه الدار بحذف كلمة "رعاية" الأيتام، على الأقل ليحافظوا على "وضعهم البيروقراطي" الصامت، وبعض من كرامة اليتيم والإنسان. إنه أضعف الأيمان.

إن هاتين المؤسستين ليس لديهما الكثير ولا حتى القليل المفيد لتقدمانه للإنسانية، فهما مؤسستان مكتفيتان بذاتيهما وموظفيهما الذين ـ بالطبع ـ ليسوا من الحقوقيين. بل هم موظفون لا صلاحيات لهم أكثر من انتظار رواتبهم نهاية كل شهر، وهو مايخالف توجهات الهدف الحقيقي لإنشائها.

إن ما يحدث لنا وحولنا من تقبل الظلم وتمريره.. تقبل الوحشية وتبريرها.. تقبل فساد المسؤول والاعتياد عليه، كل هذا هو انعكاس لهويتنا وأزمتنا الفعلية.

حياة الإنسان هي أكثر الأشياء حرمة في هذا الوجود، وحقوقه لا تقل أهمية عن حياته، وسلب الإنسان حقه، والصمت عن وضع مترد يطال إنسانية المواطن هو أشد الفظائع خيانة للإنسان. بالفعل، هذا يمثل مقولة إنه لم يبتكر العقل البشري مكيدة أبشع من مكيدة الحق والحقيقة، ولست أجد إنسانا في هذه الدنيا لا يدعي حب الحق والحقيقة، حتى أولئك الظلمة الذين ملؤوا صفحات التاريخ بمظالمهم التي تقشعر منها الأبدان، ولا تكاد تستمع إلى أقوالهم حتى تجدها مفعمة بحب الحق والحقيقة، والويل عندئذ لذلك البائس الذي يقع تحت وطأتهم، فهو يتلوى من شدة الظلم الواقع عليه منهم، بينما هم يرفعون عقيرتهم هاتفين بأنشودة الحق والحقيقة.