الفارق بيننا وبين القرون الوسطى في التفاعل مع الأمور وبالذات العلمية للأسف بسيط؛ فبيننا ما زال يوجد من يقف أمام المنهج العلمي، ويكره الحياة، ويقدس الموت. أقول هذا وأنا أراجع بعض ما قيل يومًا ما عن تطعيم شلل الأطفال، وما يقال هذه الأيام عن تحريمه وتحليله هو وسواه من التطعيمات، وبالطبع لم تكن التطعيمات لتعيش وسط الحرام والمكروه، والواجب والسنة، والمباح لولا أننا نعيش عصر هستيريا الفتاوى، الذي غابت خلاله السماحة، وظهر فيه التطرف بكل أنواعه..
عن موضوع التطعيمات تحديداً ظهرت قبل مدة فتوى نيجيرية، تلتها أخرى باكستانية حرمتا لقاح شلل الأطفال لأنه "مؤامرة يهودية صهيونية ماسونية"، المقصود منها تعقيم أطفالنا جنسياً، وقطعُ نسلنا المبارك، واستخدمت منابر المساجد والمنشورات للتحريم، ونشر الجهل، وكانت النتيجة رفض المقتنعين بالتخلف في نيجيريا وباكستان وأفغانستان والهند إجراء التطعيمات، ومهاجمة من حاول تقديمها.
اليوم وبدون شك يعد التطعيم من المتطلبات الطبية الهامة في العصر الحديث، وعدم منع الرافضين سيعرض صحة المجتمعات للخطر؛ ولأن القصد ليس المنع بالقوة، لأن القوة لن تفلح وحدها في القضاء على الفكر، شهدت مؤخرًا إمارة أبوظبي أعمال "القمة العالمية للقاحات"، تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وبالشراكة مع معالي بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وبيل غيتس الرئيس المشارك لمؤسسة بيل وميليندا غيتس.. القمة أكدت على الدور الحاسم الذي تلعبه اللقاحات والتطعيم في إنقاذ الأرواح وحماية الأطفال طوال حياتهم، وسلطت الضوء على أهمية بناء وصيانة نظم تطعيم دورية قوية للحفاظ على صحة جميع الأطفال أيا كان البلد الذي يعيشون فيه، وكانت خطوة مهمة جديدة في سبيل ضمان حصول جميع الأطفال على اللقاحات المنقذة للحياة، ولا شك أن شراكة الشيخ محمد بن زايد مع بيل غيتس في موضوع مكافحة شلل الأطفال خير انتصار للإنسان، والتبرعات الضخمة التي قدمت منهما ومن الجهات المشاركة بمناسبة قمة اللقاحات ستدعم الجهود التي تبذل لإنقاذ الأطفال وحمايتهم من شلل الأطفال بالخصوص..
المشاركات العلمية والشرعية التي حضرتها كانت متميزة للغاية، وكان من أبرز ما شدني توثيق الإمام الشيخ عبدالله بن بية لابتكار التطعيم؛ إذ نسب الأمر إلى زوجة السفير البريطاني لدى الإمبراطورية العثمانية الليدي ميري مونتاغيو التي قدمت في عام 1724م ابنها الصغير لجراح السفارة كي يجري له التطعيم المكافح لفيروس الجدري، وحين شفي أرسلت بتفاصيل الابتكار إلى بريطانيا؛ ولعل هذا وغيره يساعد في تنوير العقول حتى تقتنع بأن اللقاحات وسيلة تعمل على إنقاذ الأرواح وحماية الأطفال طوال حياتهم، وأن بإمكاننا حماية مكتسباتنا ضد مرض شلل الأطفال، وإمداد الأمهات والأطفال بالخدمات الصحية الأخرى من خلال الاستثمار في أنظمة تحصين أكثر فاعلية، وأن النجاح في تحقيق ذلك سيمكننا من إنقاذ حياة ما يزيد عن 20 مليون شخص، والوقاية مما يناهز مليار حالة مرضية بحلول عام 2020، والمساهمة في توفير حوالي 12 مليار دولار من نفقات العلاج، وتحقيق مكاسب اقتصادية تصل إلى أكثر من 800 مليار دولار رغم العنت والصلف الذي لا يفهم منه إلا أن الإسلام ضد التقدم الصحي والطبي، وأنه يجافي العلم، والحق وحده يؤكد ويشهد أن الإسلام علم، والعلم إسلام.