وحين شاهدت بالأمس مقاطع الاستقبال (اليوفوري) لمحتسب سوق عكاظ المعترض على ظهور شاعرة أمام المئات وتحت الأضواء ونقل الكاميرا المباشر، أقول: حين شاهدته عرفت أنه مندوب حركة يبحث عن دور البطولة، يبحث عن الترميز والأضواء من خلال الاحتساب المتعسف بأكثر من وسيلة.
أعرف مسبقاً أن الحوار مع مثله مقطوع ومبتور لأن هؤلاء قد حسموا المواقف ضد الأدلة. سآخذ من الأدلة اليوم هذا المقطع من (الكامل في التاريخ)، ومن الصحيح في صحيح البخاري عظم الله أجره: (لما أرسل بنو سليم وفداً لمقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجدوا فرداً أشعر من الخنساء، تماضر بنت عمرو بن الحارث، لتصحبهم كشاعرة وخطيبة، فلما قدم الوفد على الحبيب المصطفى، طلب من الخنساء أن تنشده شيئاً من شعرها في أخيها صخر، فطفقت تردد على محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وصحبه أبياتها وهو يستزيدها "هيه يا خناس"، ثم أسلمت مع قومها في عام الوفود وهو العام التاسع للهجرة).
وسأقول اليوم لمندوب الحركة وفانتازيا الاحتساب، إن المرجع لنا وله هو نهج هذا النبي الكريم وسنته. سأقول له إن (خناس) لم تكن تتكلم في حضرة المصطفى عبر لاقط صوتي من قاعة مجاورة، ولم يكن عليه أفضل الصلوات والتسليم (يستزيد) من شعرها عبر وسيلة اتصال من تقنية هذا العصر. سأقول له إنها كانت تردد قصائدها على أفضل الخلق وصحبته من مسافة الصوت الطبيعي وفي حضرته وبين يديه ومن مقامه الرفيع الأعلى وأنت تحاول عسف رسالته الإنسانية وامتهانها بما تدعيه من الاحتساب. سأقول له أيضاً إن الخنساء كانت خيار واحدة من أشرف قبائل العرب أصالة وطهراً كي تكون الشاعرة والخطيبة في رأس صفوف أغلى الرجال (صحبة) ونسباً ومكانة. سأقول له إنه ذات السوق العربي التاريخي الذي زاره سيد الخلق ورائد الحق ونشر بين مرتاديه دعوته إلى توحيد الله والإيمان برسالته. هو مرجعنا وقدوتنا ونحن من يبادر إليك بالاحتساب لتقرأ منهجه.