(1)
قرأت عتاب الأصدقاء من رؤساء الأندية الأدبية، حول عدم مشاركتهم بالحضور في مهرجان سوق عكاظ السابع، ولكنهم الأحق باللوم والمصارحة، نتيجة تعاميهم عن هذا الملتقى التاريخي والوطني والحضاري الضخم، فهو مهرجان عربي وعالمي وحاضن للشعراء والحكماء والرواة والمبدعين، بما يمثله من حضور متألق، ومواقف جمالية، واصطفاف تراثي مبهج، بكل معطياته وتخومه الراهنة حين أعاد للغة العربية حيويتها وفاعليتها وسحر أسرارها، فتعالقت وتماهت وتعايشت مع الأذن وخلايا الذهنية، لتؤثث هوية الأمة وصيرورة بقائها، وعتابي لهم نظراً لتجاهلهم وتغييبهم وتعاليهم على هذا المنجز المعرفي، والذاكرة التاريخية، في سنواته السبع الماضية، فلم يطرحوه يوماً كورقة ضمن لقاءاتهم المتكررة، ومؤتمراتهم التقليدية المجدولة، ولم يمنحوه قراءة اعتبارية واحدة كأضعف الإيمان، تحدد موقفهم وبداهة صلتهم، وتدارس فيوضات أموال أنديتهم الموجودة في خزائنهم، أو ما يجب أن تعتمده وزارة الثقافة والإعلام لهم، لينهضوا بدورهم للمشاركة الموضوعية في "كلفة" هذه التجربة الفذة، والمحتوى الفكري المنفتح على المستقبل وحركة الإحياء.
يظن البعض أن السوق مسؤولية صاحب الفكرة وسيد الحدث، "الأمير خالد الفيصل"، رغم أن ذلك لا يعييه، حين أسرج خيول أفكاره ومبادراته، وانتخى بالرجال المصابيح كما يصنع الفرسان ليشعلوا الأحلام معه في صمت المكان فأيقظوا التاريخ والشموس، وغلال الحقول ومواويل الأرض، وحكايات السطور الخرس لتنطق شعراً ونثراً وأغاريد، وليعود "عكاظ" يافعاً في عهد قائد الأمة ورائد التحديات خادم الحرمين الشريفين، وقد تحول من حصى بارد إلى حرير شفيف، يرتعش كالضحى في وجه السنين، ومن سيرة نافرة في بطون الكتب إلى قوس قزح يعانق الساهرين على شرفات الوعي.
إن لائحة الأندية وفي مادتها الخامسة تبيح وتسمح للأندية بتنظيم الأنشطة والصرف عليها مع الجهات ذات الاهتمام المشترك، كما تسمح المادة بصرف مبلغ 800 ريال لعضو النادي عن كل ليلة لمن تستضيفه أي جهة مع تذاكر السفر على درجة الأفق "رجال أعمال" في حال عدم تكفل الجهة الداعية بمصاريف الإقامة والإعاشة والتذاكر، ولكن السؤال الأهم: ما الذي يمنع تبني الأندية مجتمعة للنشاط الثقافي في السوق بكل التزاماته المادية، بحيث تعتمد مبلغاً متساوياً من ميزانيتها كل عام ليتم الصرف من خلاله على الفعاليات ذات الصبغة الثقافية والإشراف عليها؟ كما تتكفل جمعيات الثقافة والفنون بميزانيات التراث والفنون الشعبية والحرف والصناعات التقليدية، بالتعاون مع الهيئة العامة للسياحة والآثار، لينصرف السوق إلى المشاريع الكبرى.
إن انكفاء وغياب هذه المؤسسات يجعلها تقوم بدور المتفرج والعاجز عن الحضور والمشاركة في النسيج البنائي لهذا الصرح، والعجز المنقوص عن التموضع داخل عربة البنية الثقافية السائرة، لقد عشنا زمناً ليس بالقصير نشعر بالحزن والمرارة ونحن نتابع "المربد وجرش وأصيلة وغيرها" وكم أطلنا المكوث أمام تلك المشاعر المختزنة والمتخمة بالحداد على الذات المنكسرة، لكننا اليوم نفتح الأبواب الموصدة منذ عصر الدهور اليابسة والعتيقة والنائمة في سلة الأيام، لنستبدلها بالمطر الأخضر وأعراس السنابل، فكلنا باعة ومشترون في سوقنا الأعظم وكلنا رابحون حتى الثمالة، فهل تبادر الأندية والجمعيات في المملكة إلى اجتماع تحدد من خلاله حجم مشاركتها الفاعلة والمؤثرة، والمسهمة في ميزانيات النشاط الثقافي، رغم أن "رعاة السوق" لم يشتكوا العبء أو التعب، فمن صنع هذه المعجزات يستحيل أن يتوقف أمام صخرة على قارعة الطريق، أو معضلة عابرة لم يلتفت لها.
(2)
جاءت مسرحية "الأعشى" ومقارباتها الشعرية، متسمة بالعمق، حيث استطاع الدكتور سامي الجمعان، أن يخترق القشرة الخارجية للشخصية، وتخلقاتها ومداليل قيمها، والانسراب في أعماقها، ليظهر ضعفها الإنساني حيناً وجبروتها وتناقضها حيناً آخر، وما يعتورها من نوازع الذات الحائرة وتبدلات النفس القلقة، استطاع الجمعان أن يستنطق شخصية الأعشى الدرامية، بكل مزاجيتها ورغباتها المكبوتة وقواها الفكرية، ومسالكها العقلية وفواعل علاقتها السجالية مع عصرها.
وكم أدهشتني بعض الآراء المجحفة والمتسرعة حول العمل المسرحي، لبعض المهمومين بالمسرح، ونعت العمل بالرتيب والممل وبالذات في توظيف "السينوغرافيا" وهي فن تنسيق الفضاء المسرحي والتحكم في شكله، بهدف تحقيق أهداف العرض الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث، مع الاعتماد على استثمار الصورة والأشكال والأحجام والمواد والألوان والضوء، كما يقول "مارسيل فريد" لقد حرك المخرج "فطيس بقنه" مفردات التشكيل البصري والإيحائي ووظفه برشاقة وتواشج وانسجام مبهر، وسياق متماسك مع النص، وفق تشكيلات ضوئية وموسيقية وحركية، أفصحت عن مكنون النص ومتنه الروائي، فجعلت العمل يصل إلى المشاهد بيسر وسهولة وإقناع، مع الاقتصاد المنضبط في اللجوء إلى هدم الحائط أو الجدار الرابع.