في هذا المقال والمقالات القادمة أحاول أن أنظر للحوار من منظور عين ثالثة. أي من خلال عين تضع الحوار في سياقه الذي يحدث فيه خارج أطراف الحوار. أي الحوار كمشهد يجري داخل مشهد أكبر منه مليء بالأحداث والمواقف المؤثرة بشكل جوهري في الحوار وحركته.

هذه الأيام فرصة مناسبة للتفكير في هذا المجال باعتبار أن كثيرا من الحوارات أو الجدالات تجري باستمرار بشكل عمومي في مواقع التواصل الاجتماعية خصوصا في تويتر. السياق التويتري، تأثير المتابعين في الحوار، سلوك المتحاورين المتأثر بهذا السياق، الأدوار التي يدفعنا لها السياق في هذه الحوارات ستكون موضوعا للمقالات القادمة. هذه الصورة يفترض أن تعمّق معرفتنا بالحوار باعتباره سلوكا لا يتم دائما بين أصدقاء في أماكنهم الخاصة بقدر ما هو سلوك يتم في المجال العام أيضا. المجال العام هنا هو سياق خالق لحالة مختلفة من الحوار من الضروري التعرّف عليها. حين نفكر في الحوار في التعليم أو الحوار في إدارة الشؤون العامة للمجتمع فنحن نتحدث بالتأكيد عن الحوار في المجال العام، وليس الحوار الثنائي أو الحوار في المجال الخاص.

للتفكير في هذا السياق من المهم العودة إلى "طبيعة" إنسانية يمكن أن تعطينا نقطة انطلاق للتفكير في انفتاح الحوار على المجال العام. هذه الطبيعة تتحقق في ثنائية مهمة يسميها مارتن بوبر بثنائية: "إنسان الجوهر" و"إنسان المظهر". إنسان الجوهر هو إنسان يريد أن يظهر للناس كما هو. في المقابل إنسان المظهر يريد أن يظهر للناس بشكل مختلف عن حقيقته. بالنسبة لإنسان الجوهر الحوار هو طريق يسمح فيه للآخر بالتعرّف عليه كما يعرف هو نفسه. في المقابل بالنسبة لإنسان المظهر الحوار هو فرصة لخلق صورة جديدة يريد أن يعرضها للآخر. نقل الحوار للمجال العمومي يجعل ثنائية المظهر والجوهر فاعلة بشكل خطير؛ لأنها باختصار تجعل إنسان المظهر أمام عملية كبيرة يحاول فيها أن يخلق صورا كثيرة للمتابعين، وكذلك أمام إنسان الجوهر لتجعله تحت ضغط هائل وجهد في التوفيق بين ما يريد أن يظهر به كذاته التي يعرفها وبين ما يريده الناس أن يكون.

يحكى عن مارتن بوبر أنه كان يقلق من الحوارات العمومية بل حتى من الحوارات المسجّلة صوتا وصورة. كان يعتقد أن هناك عاملا ثالثا يشوّش الحوار. المتحاورون في المجال العام لا بد أن يأخذوا بعين الاعتبار وجود الجمهور من حولهم، وهذا برأي بوبر ما يفقد الحوار طبيعته المباشرة الثنائية بين المتحاورين. في الحوار العمومي أنا أحاورك من خلال الجمهور أو على الأقل أحاورك والجمهور في بالي. الحسبة لم تعد بيني وبينك بقدر ما هي حسبة معقدة تشارك فيها شخصيات وفعاليات مختلفة ومتنوعة. بحسب بوبر هذه الحالة تجعل لقائي بك في الحوار أصعب من إنصاتي لما تقول وأعقد، وتجعل رؤيتي لك أكثر ضبابية. لكن هذه ليست كل الصورة. في النهاية الحوار سلوك اجتماعي. بمعنى أنه سلوك يمارس من خلاله الإنسان التواصل داخل حالة الاجتماع التي يعيشها. الفضاء العمومي هو أفق هذه الحياة الاجتماعية وغالبا ما تكون حواراتنا الخاصة مع من نرغب الحوار معهم نتيجة اصطفاء حققناه من خلال وجودنا في الفضاء العام. بمعنى أن الفضاء العام بكل إشكالاته هو المجال الذي يجعل الحوار ممكنا. الحوار في الأخير هو عملية تواصل وانفتاح وتعرّف ولقاء. كل هذه تتحقق مع من لم نتواصل معهم بعد ولم ننفتح عليهم ولم نعرفهم ولم نلتق بهم. نجد هؤلاء غالبا في المجال العام، في مواقع التواصل الاجتماعي، في المقاهي، في الحدائق، في صالات الانتظار، أو في الميادين العامة.

ثنائية المخبر والمظهر لا يجب أن تؤخذ بشكل حاد. بمعنى أنه لا يوجد إنسان الجوهر الكامل ولا إنسان المظهر الكامل. الجميع يتراوح في نسب ترتفع أو تنخفض بين الطرفين. من المهم أيضا أن نعلم أن ثنائية الجوهر والمظهر لا تتعلق فقط بقلق الهوية الشخصية لدى الأفراد بل تشمل كذلك الأدوار الاجتماعية التي يلعبونها أثناء الحوار. بمعنى القبّعات التي يرتدونها أثناء الحوار. من المهم أن ندرك طبيعة الحوار مع أولئك الذين يحضرون كممثلين رسميين أو غير رسميين لجماعات أخرى كجزء من جوابنا على سؤالنا مع من نتحدث. فهم الأدوار التي يتقمّصها الناس في الأحاديث العمومية بشكل معلن أو ضمني مهم جدا لفهم كيف تجري الأمور في الحوار وكيف ستكون استجابة المتحاورين لتأثير الجمهور والمتابعين عليهم. متقمّصو الأدوار بدون إعلان يجعلون الصورة أكثر تعقيدا. مثلا في سياقات اجتماعية معيّنة يكون من الخطر على الأفراد إعلان انتماءاتهم السياسية مما يجعلهم يظهرون للناس بدون إعلان هذه الانتماءات وربما أحيانا بنفيها، وهم في الحقيقة يقومون بأدوار محددة في سياق خدمة جماعة سياسية معيّنة يعبرون عن توجهاتها ومصالحها. الكشف عن هذا الدور مهم جدا لأنه سيجعل من الواضح للمتحاورين والمتابعين أين يقع الحوار في ثنائية المظهر والمخبر التي بدأنا الحديث بها.

في المقالات القادمة سنحاول فهم الحوار باعتباره مجالا لعملية تشكّل الهويات الفردية والجماعية. عملية التشكّل هذه عملية قلقة ومعقدة من جهة وجوهرية في تحقيق الحوار من جهة أخرى. بمعنى أن الحوار حالة محتملة لصراع واضطراب الهويات كما أنه حالة ضرورية لتحقيق واستقرار هويات منفتحة. كذلك سنحاول فهم الحوار باعتبار أنه ساحة مفتوحة لتحقيق أدوار اجتماعية ظاهرة أو خفيّة. هذه العمليات المعقدة ربما عصفت -وأظنها كثيرا تفعل- بالحوار لتحيله إلى نشاط سجالي من نوع آخر ولكنها ظروف يصعب فهم الحوار بدون التفكير فيها مطوّلا.

الحوار كما قلنا سابقا هو حالة رقيقة وحساسة وفي أحيان كثيرة هشّة أمام شروط الواقع. لذا فلنفهم الواقع.