في السابع من هذا الشهر، وقبل يومين من انعقاد الكونجرس الأميركي بعد عطلة طويلة، صرح أحد أعضائه، بأن من غير المتوقع أن ينهي المجلس مناقشاته حول الأزمة السورية قبل أسبوعين من انعقاده. وقد أشارت استفتاءات الرأي إلى أن المعارضة للحرب قوية داخل الكونجرس. وأن أوباما لن يتمكن من حشد عدد كاف لاستصدار قرار بتأييد الكونجرس.

وقد دفع موقف الكونجرس هذا بالرئيس الفرنسي، إلى الإعلان عن أن مشاركته في أية عملية عسكرية ضد سورية، ستظل مشروطة بنتائج التحقيق الأممي حول استخدام السلاح الكيماوي في غوطة دمشق. وقبل الإعلان الفرنسي، رفض مجلس العموم البريطاني المشاركة في الحرب.

وشهدت اجتماعات مجموعة العشرين، فشلا في التحشيد الأميركي للحرب، وكشفت عن صلابة الموقف الروسي، حيث أعلن الرئيس بوتين صراحة، أنه سيواصل تقديم الأسلحة والدعم الاقتصادي والإنساني للحكومة السورية، حتى لو نفذت الإدارة الأميركية مشروع الحرب عليها.

والنتيجة أن قرار الحرب، بقي مرتجفا ومترددا. ولا يستثنى الرئيس أوباما من هذا التوصيف. فليس في الذاكرة المعاصرة، حادثة تشير إلى انتظار رئيس أمريكي موافقة من الكونجرس لشن الحرب. فهو وحده بموجب الدستور صاحب هذا القرار وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وبموجب التقليد الأميركي، فإن الرئيس يشن الحرب أولا، ثم يبلغ الكونجرس الأميركي. وتمتد فترة تجاوزه للكونجرس لحدود تسعين يوما.

أقدم الرئيس الأميركي روزفلت على أخطر قرار بمشاركة الحلفاء الحرب العالمية الثانية، دون أخذ موافقة الكونجرس. وشنت الحرب الكورية، بانهماك أمريكي كامل أثناء حقبة الرئيس دوايت أيزنهاور وحرب فيتنام، في عهد الرئيس الأميركي جون كندي، واحتلت بنما بقرار من الرئيس بوش الأب، وكذلك جرى التحضير لدرع الصحراء، وعاصفته فيما بعد دون موافقات أولية من الكونجرس الأميركي، فما الذي يفسر قرار أوباما بانتظار موافقة الكونجرس، قبل الذهاب للحرب، سوى تردده.

بل إن هناك من المحللين الأميركيين، من يرى أن الرئيس أوباما تسرع في وضع خطوط حمراء، دون تحسب لما يمكن أن يحدثه ذلك من تعريض مصالح الولايات المتحدة للخطر. والصحف الأميركية، وعلى رأسها النيويورك تايمز والواشنطون بوست، حافلة بهذا النوع من التحليلات.

لماذا تراجع الرئيس باراك أوباما عن قرار الحرب، سؤال جوهري، يشير كثير من المحللين السياسيين في الغرب، إلى أن الشراكة الأميركية مع الصين وروسيا قد تعززت في الأزمة الاقتصادية العالمية. وكان دور الصين، بمخزونها المالي، وشرائها للسندات الأميركية عامل تهدئة وتهيئة لمناخات جيدة للخروج من الأزمة، التي لا تزال تداعياتها ماثلة حتى يومنا هذا. إن الخشية على هذه الشراكة هي أحد أسباب التردد الأميركي.

فروسيا والصين تقفان بقوة ضد أي تدخل عسكري أمريكي في سورية، وقد استخدمتا الفيتو عدة مرات للحيلولة دون صدور أي قرار يدين النظام السوري، ويوصي بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بحقه.

تطبيق الضربة الأميركية بحق سورية، يعني أمرين خطيرين بالنسبة لصانع القرار الأميركي، الأول هو تعرض العلاقة الاقتصادية مع الصين وروسيا للخطر. وقد ألمح الرئيس الصيني إلى ذلك بخطابه في اجتماعات مجموعة العشرين. إن تراجع العلاقة الأميركية مع الصين وروسيا سيسهم في خلق أزمة اقتصادية عالمية أكثر حدة. والثاني، هو استعادة روح حرب فيتنام. ففي تلك الحرب لم يتدخل السوفييت والصينيون فيها بشكل مباشر، وكان دعمهم لوجستيا في الحرب. بقيت جسور الإمداد العسكري السوفييتي والصيني مفتوحة لعدة سنوات. تمددت الحرب إلى لاوس وكمبوديا، ولكنها انتهت بهزيمة سياسية ماحقة لأميركا.

يخشى أوباما من تكرار سيناريو فيتنام، خاصة أن الروس أفصحوا بأنهم سيشاركون لوجستيا في هذه الحرب. وأوضح رسالة في هذا السياق، هي إنذارهم المبكر، قبل عدة أيام عن الصاروخين الباليستيين الإسرائيليين، وإبلاغهم الرئيس بوتين عنه، في رسالة واضحة للإدارة الأميركية، عن نواياهم في حال اندلعت الحرب.

صحيح أن الإدارة الأميركية بوسعها أن تبدأ الحرب، وبإمكانها أن تعلن عن أنها ستكون محدودة وجزئية، لكن ما هو متاح من معلومات، يشير إلى رفض القيادة السورية وحلفائها للتكتيك العسكري الأميركي، واعتبارها إطلاق صاروخ أمريكي واحد هو بمثابة إعلان حرب شاملة، وهو أمر لا يرغب به الرئيس أوباما، الذي خاض حملته الانتخابية الأولى على أساس عدم توريط بلاده بحروب مماثلة كالتي خاضها سلفه الرئيس جورج بوش.

يعلم الرئيس أوباما، عبر المواقف الروسية الصينية المعلنة، أن الحرب المفترضة، إذا ما تحققت لن تكون نزيهة، وأنها يمكن أن تشعل النيران في عموم المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، وذلك هو سر تردده.

بالإمكان الحديث عن قوة النيران الأميركية والإسرائيلية، وأميركا بإمكانها تدمير الكرة الأرضية عدة مرات، إذا ما دخلت في حرب عالمية، لكن المفاتيح ليست جميعها بيدها. فالآخرون الذين يملكون أسلحة الرعب، يملكون قدرات مماثلة. وفي الحروب ليس بإمكان أحد التنبؤ بمآلاتها وتطوراتها.

والتقديرات تشير إلى أن هذه الحرب، إذا ما قررت الإدارة الأميركية شنها، ربما تحمل مفاجآت غير سارة. وحتى إذا افترضنا، أن الأمور سارت بسلاسة، وفق الترتيبات الأميركية، فالمؤكد أن هناك فراغا سياسيا كبيرا ستعيشه سورية ما بعد الانتهاء من الهجوم العسكري. والأقرب أن تتفتت إلى مناطق يتقاسمها أمراء الحرب، من جبهة النصرة، وتنظيمات أخرى متطرفة، وأن تعيش لأمد غير منظور في وضع مشابه لليبيا، مع فارق موقع سورية في الخارطة السياسية، واحتمال انتقال الفوضى لدول مجاورة، بما يهيئ الفرص لتنفيذ مشروع الوطن البديل في الأردن، ويجعل المنطقة بأسرها حبلى بمفاجآت لا تحمد عقباها.

تلك على كل حال، وقفة هدنة في الصراع بين العمالقة على سورية، لها ما بعدها، من تطورات في ملف الأزمة، فإما الذهاب إلى جنيف، وذلك احتمال ليس مؤكدا، أو أن تستمر ماكنة القتل في طحنها، إلى أمد غير محدود، وذلك ما ستكشف عنه التطورات اللاحقة، بعد قبول النظام في سورية بتسليم المخزون من السلاح الكيماوي وتوقيع اتفاقية حظر استخدام هذا النوع من الأسلحة، وليس علينا سوى الانتظار.