أوضحت دراسة أعدها الدكتور عبدالعزيز الشثري، وكيل قسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية للدراسات العليا في جامعة الإمام، قدمها كورقة في مؤتمر ''الوحدة الوطنية.. ثوابت وقيم''، الذي استضافته مؤخرا جامعة الإمام، إلى أن 47,1 من مجمل أعداد الطلاب المشاركين في الاستبيان الذي قام به وشمل عددا من مدارس السعودية في مختلف المراحل حول السلوكيات الخاطئة التي تفشت في تلك المدارس، أنه تمت الإساءة إليهم بناء على انتماءاتهم القبلية، كما أن هناك علاقة بين مستوى تعليم الأب وبين ممارسة الابن لمظاهر التعصب القبلي، إذ قلت تلك المظاهر تدريجيا بحسب مستوى تعليم الأب.

أمام هذه الحقائق وغيرها مما تشير إليه العديد من الدراسات الاجتماعية التي أجريت خلال الأعوام الماضية حول تفشي العصبية القبلية في المجتمع، وتزايد الروح المذهبية بين أبناء الوطن، فإن القول بأننا أمام تحد حقيقي يمس الوحدة الوطنية ومستقبل التماسك الاجتماعي ليس بمبالغة أو أمرا يُسوَّق فقط للاستهلاك المحلي، بل هو خطر حقيقي يعمل بهدوء ودون حسيب أو معالج، كسرطان ينخر في العقل الباطن للوطن والمواطن.

خلال أيام قادمة سيحتفل الوطن بيوم تأسيسه، وسط نقاش عقيم من البعض حول حرمة هذا الاحتفال، نتيجة ما يرافق ذلك اليوم من تصرفات بعض الشباب الشاذ من تكسير وتحطيم للممتلكات العامة، في وقت يبقى الاحتفال بذلك اليوم بمعزل عن تلك التصرفات الخارجة مطلبا حضاريا لتنشئة الوطن في الروح الاجتماعية، وليكون اسما ومعنى يتجاوز المنتخب الكروي أو النشيد الوطني.

أستغرب كثيرا أن يخرج شيخ دين يؤمل في أن يكون عاملا مساعدا على بناء الروح الوطنية بين أبناء المجتمع ليستنكر الاحتفال باليوم الوطني؛ بسبب تلك التصرفات، علما بأننا نعلم حدوث تجاوزات مشابهة وربما تفوقها من بعض الذين يسافرون للخارج احتفالا بأعياد الفطر والأضحى، فهل ذلك مرتبط بالعيد الديني الذي شرع لغاية سامية.

تعليم الوطنية يأتي في تقديري بتجريم أي مظهر من مظاهر الدعوة للولاء لغير الوطن، ففي وقت خرج فيه مشايخ أجلاء بمواقف ضد التكتلات الدينية السياسية ووصفتها بأنها تخريبية، فإني أتمنى أن يخرج علينا المصدرين الرسمي والديني بمواقف صريحة وواضحة ومدعومة بقرارات رسمية تجرم كل مظاهر تنمية الروح القبلية من مسابقات مناطقية واحتفلات تفاخرية ومخيمات تهاجم تلك الطائفة أو تروج للكراهية والتحزب.

الوطنية ليست مادة تدرس بالمدارس، بل هي روح تزرع في الكيان الاجتماعي، ومدارسنا تتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه من تجذر العصبية كما أشارت إليها دراسة الدكتور الشثري، فهل تستمر نقاشات المتخاصمين العقيمة حول تطوير التعليم بمواضيع جانبية خوفا من نقاش القضايا الحقيقية التي تمس وحدتنا، أم يحدث تغيير جذري ويتحرر الوطن من أفكار متخلفة رجعية عنصرية.