"لا يجب أن نزحف عندما نشعر بشيء يدفعنا للطيران"، مقولة مُلهمة للكاتبة الأميركية هيلين كيلر، والتي لا أملّ تأملها، منذ وقعت عيني عليها وكتبتها في ورقة صفراء، ألصقتها على مكتبة بيتي، إنها تشعرني بالتفاؤل والحماس، رغم الظروف التي أحيانا تجبرك أن تتوقف لا أن تزحف فقط، وكيف لا! ولا تتوقف عن تأمل حياة قائلتها "هيلين كلير".

لقد ولدت هذه الكاتبة مثلها مثل بقية الأطفال عام 1880م، سليمة الحواس، لكن الرضيعة مرضت في الشهر التاسع عشر بالحمى، ولم تزل عنها إلا بإزالة سمعها وبصرها، فغدت صماء عمياء، إنه أمر بمنتهى الصعوبة، أن تعيش في صمت وظلام دائمين، ولا تعرف طريقة تتواصل بها مع الناس!، وكبرت الطفلة وكبر إحباطها لعجزها وإحساسها بالعزلة، خاصة أنها في زمن ما تزال تقنية التعليم والتواصل لذوي الاحتياجات الخاصة بدائية، فضلا عن الاعتراف بهم، وكان من الممكن أن يؤدي بها إلى امرأة وحيدة وتعيسة، لكن والدها استشار طبيبا، واختار لها معلمة "آن سولفن" وبعد طولة بال، ومحاولات لتُعلم طفلة عاجزة طريقة ناجحة لتتواصل مع عالمها الخارجي، وصلت إلى استغلال حاسة اللمس، فكانت أول تجربة أن وضعت يدها تحت صنبور الماء، فشعرت به هيلين، وحينها وضعت آن يدها بيد الطفلة تعلمها إشارة معبرة عن الماء، شيئا فشيئا تكونت الإشارات المرتبطة بالكلمات وتوسع هذا القاموس لدى هيلين، وكبر التحدي لتتعلم، وقررت أن تكون أو لا تكون، شعرت أنها تريد التكلم فحلقت ولم تزحف رغم ظروف تجبرها على التوقف، فتعلمت الكلام رغم صممها وعماها، مستغلة حاسة اللمس والإشارات لتصنع كلمات وحروف ناطقة، ورغم الاستحالة تكلمت وغدت معجزة.

لقد أيقنت "هيلين" أنها تريد الطيران لا الزحف رغم الإعاقتين، وقررت دراسة الجامعة، فذهبت إلى "رد كليف" وحين سُئلت لماذا هذه الجامعة؟ أجابت "لأنها رفضتني"، تحديا لهم كونهم رفضوها ثم توقعوا توقفها، واختارت دراسة الآداب واللغات، هل تتخيلون ذلك!؟ إنها الإرادة وليست الظروف ولا الإمكانات، وتخرجت منها عام 1904م، وقد درست الفرنسية والألمانية واللاتينية واليونانية وأجادتها، فقط لتخبر مجتمعها المريض آنذاك برفض المعاقين بضرورة المساواة بالأسوياء، وتحسين فرصهم، وأن الإعاقة لا يمكن أن تكون سببا لعزلهم.

لقد عاشت خرساء فترة من حياتها، وتحولت إلى محاضرة تجيد الخطابة لها جمهورها، وباتت أهم كاتبة ومؤلفة أميركية، وزارت 39 دولة، وهي صاحبة أول زيارة رسمية لـ"هيروشيما" في اليابان بعد التفجير النووي، حضر خلالها مليونا ياباني يسمعها، ليس هذا فقط، هي أول امرأة تحصل على مرتبة الشرف في الدكتوراه من جامعة هارفارد أعرق الجامعات العالمية، وباتت من أبرز المدافعين عن العدالة الاجتماعية في أميركا بجانب المعاقين والحريات السياسية وحقوق المرأة والعمال، وأصبحت سفيرة للمنظمة الأميركية للعميان، ونتيجة دفاعها المستميت عنهم، راسلت شيوخ الكونجرس والرئيس الأميركي، وبفضلها تم اختراع الكتب الناطقة لتفتح نافذة تواصل لهم.

وليس أخيرا، ألا تستحق التأمل فلا يوجد مستحيل، فـ"الحياة إما أن تكون مغامرة أو لا شيء" كما تقول هيلين.