في المجتمعات الشرقية، لا تستطيع أن تثني على شخص أو تذكره بالخير بحرية تامة، دون أن تضع نفسك في دائرة الشبهة، إلا في حالتين اثنتين لا ثالث لهما..

إما أن يموت الشخص، وبالتالي تتحدث عنه بحرية تامة، وتقول فيه وعنه ما تشاء من ثناء.. فأي فائدة أو منفعة ترجوها من أصحاب القبور!

أو - وهذه الحالة الثانية - أن يتجرد من مناصبه الحكومية، ويحال إلى التقاعد، ويذهب لمنزله.. لحظتها تستطيع أن تقول ما تريد بحرية واطمئنان، دون أن تضع نفسك مثار شبهة أو انتقاد أو شك!

كثير من المسؤولين يتم إعفاؤهم.. بعضهم تكتشف أنك تسمع باسمه لأول مرة.. كثير منهم يغادرون دون أن تقرأ سطرا واحدا عن سيرتهم الوظيفية أو إنجازاتهم الوطنية.. وقليل هم الذين يتسابق الناس للثناء عليهم بعد رحيلهم..

حينما أعفي الأستاذ الدكتور "محمد العقلاء" مدير الجامعة الإسلامية من منصبه قبل يومين، تفاعل الكثير من العلماء والكتاب والإعلاميين وغيرهم في "تويتر" لذكر مناقب هذا الرجل الفذ..

قلت في نفسي ربما كان هذا الإعفاء نعمة له؛ لأنه عرف مشاعر محبيه.. وقرأها تخرج منهم بتجرد دون حرج ولا وجل..

لقد كان مسؤولا استثنائيا بين مديري الجامعات السعودية.. استطاع أن يدير الجامعة - التي لا تغيب عنها الشمس - بنجاح باهر.. وترك خلفه إنجازات وبصمات لا ينكرها إلا جاحد.. لكنها سنة الحياة: لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك.

حينما تم إعفاء مدير جامعة الملك سعود السابق الدكتور "عبدالله العثمان"، حزن الكثيرون.. واليوم ينتابهم ذات الحزن برحيل الدكتور "محمد العقلاء" - هذا تجسيد إيجابي لنظرية نصف الكوب - أعني "حزن" الناس على رحيل المسؤول... فقد اعتدنا على "الفرح" حينما تصدر قرارات الإعفاء!.