الأسبوع قبل الفائت، كتبت مقالة عن التعليم الحديث، وتناولت بعض مخرجاته على صعيد ثقافة وحصاد الطالب وتحصيله العلمي، وهو القطاع الذي أولاه الملك عبدالعزيز آل سعود (رحمه الله تعالى) منذ اليوم الأول أهمية خاصة، وناضل بذكاء لإقناع مجتمع لا يتقبل الجديد مما يتطلبه الزمن المتسارع، ونجح في ذلك باقتدار، مدركاً أنه أهم مفاتيح بناء الإنسان وقوة الدولة ورخائها.
واليوم يُعد قطاع التعليم من أهم الركائز الأساسية للتنمية في المملكة العربية السعودية، إن لم يكن أهمها، ويتبعه جيش من الموظفين يقدر بنصف مليون معلم تقريباً، يقدمون ما لديهم من علم ومعرفة للأجيال القادمة دون كلل، ويحملون على عاتقهم مستقبل شعب وأمة، من خلال محاولات إجادة أدائهم للمهمة التعليمية العظيمة.
وقد كان من نتائج ذلك المقال مجموعة كبيرة من ردود الأفعال، وهو ما لم يدهشني كثيراً لأهمية الموضوع المطروق، إذ وردتني على بريدي الخاص وحساباتي على الإنترنت وبعض الردود على موقع الصحيفة، العديد من الرسائل المؤيدة لفتح النقاش واستمراره حول موضوع التعليم، وبعض القصص التي سرد فيها بعض الآباء معاناتهم وامتعاضهم من مستوى أبنائهم التعليمي، فقد استوقفني أحد الآباء قائلاً "ابني في الصف الأول متوسط ولا يجيد القراءة جيداً للأسف"، كما وصلني كثير من الرسائل النوعية من قبل موجهين تربويين متقاعدين ومنتسبين لسلك التعليم، أورد بعضاً منها كرأي يستحق التمعن فيه، إذ يرى الأستاذ المتقاعد أحمد الحياني أن "المشكلة تكمن في أمرين اثنين هما أولاً: نقص المعامل، سواء المختبرات العلمية للعلوم والرياضيات أو الصوتيات للغة العربية والفنية لتربية الفنية والرياضة، ثانياً: الإعداد الجيد للمعلمين وهم صنفان؛ معلم قديم لا يحب التغيير والتطوير ويرى أن مجرد اقتباسها من دولة أوروبية منقصة للأمة، ومعلم ليس معداً لتعليم أبناء جيل كامل تحت يديه"، ومن أبرز ما وصلني رسالة مطولة جاءت في أربع صفحات من الأستاذ حسن حلوي، الذي قضى أكثر من ثلاثين عاماً في قطاع التعليم متنقلاً في كافة درجاته المختلفة معلماً ومديراً وموجهاً تربوياً، ذكر فيها خلاصة تجربته في مجال التعليم، وما يرى أنه مفيد لمواصلة عجلة التعليم بالشكل السليم حالياً ومستقبلاً، أورد إليكم أهم ما جاء في تلك الرسالة الطويلة -ببعض التصرف-، والتي قال فيها أستاذنا الفاضل: "القراءة مفتاح المعرفة، والجيد في مقال الكاتب الديواني أنه نكأ جرحاً قديماً فيما يخص تعليم الصفوف الأولية من المرحلة الابتدائية، والذي لم يعلمه الديواني، أن ضعف بعض تلامذة الصف الرابع الابتدائي في القراءة والكتابة لم يكن السبب فيه الصف الرابع مادةً ومعلماً وطريقة وتلاميذ ومبنىً مدرسياً، بقدر ما هي مجموعة متراكمة من الأسباب، تبدأ من الصف الأول الابتدائي، اشترك فيها بعض مديري المدارس وبعض معلمي تلك الصفوف الأولية، وطريقة تأهيلهم المهني لمهمة التعليم، إذ يقوم بعض مديري المدارس أحياناً في بداية العام الدراسي بتوزيع المواد الدراسية على المعلمين، ويؤخر توزيع جدول الصف الأول الابتدائي للوصول لمن يكلفه بتدريس ذلك الصف، يقوم بعض مديري المدارس بذلك وهم لا يعلمون قدرات ذلك المعلم لتدريس تلاميذ تلك المرحلة الحساسة (الصف الأول)، ما يعني ناتجاً اجتهادياً محدود المردود، ولينتقل الطالب للصفوف التي تليها وهو غير مؤسس بالشكل المطلوب، وفي الصف الرابع تتكشف المشكلة متجليةً في ضعف القراءة والكتابة لدى عدد غير قليل من الطلاب، لكون المواد الدراسية في هذا الصف تعتمد أساساً على القراءة والكتابة بنسبة عالية، وأتذكر أنني زرت مدرسة فصلها الرابع به عدد (18) طالباً فقط، ظهر لي أن (14) منهم لا يستطيعون القراءة والكتابة! وبالبحث عن المسببات وجدت أن مدير المدرسة كان حديث خبرة بالشؤون الإدارية، ومعلم الصف الأول كان مديراً سابقاً وجاء منقولاً كمعلم للصف الأول الابتدائي لا خبرة له، فكلفه المدير بأعمال إدارية وكلف معلم التربية البدنية والفنية بتغطية الصف الأول بدلاً عنه! وفي زيارة لمدرسة أخرى نائية وجدت العكس تماماً نتيجة تمكن معلم الصف الأول وخبرته واستقراره في المكان، القضية طويلة وذات أبعاد تحتاج إلى دراسة عميقة، وأرى أن الإعداد المهني الجيد لمديري المدارس ومعلمي المراحل الدراسية الأولى بالشكل الكافي أهم أسباب المشكلة، فقد تعلمنا في مدارس مبانيها من الخشب والقش، على يد معلمين غير متخصصين، لكنهم كانوا محبين ومخلصين لمهنة التعليم، فجزاهم الله خيراً".
ما أعرفه شخصياً عن سياسة التعليم في بعض الدول، أنها لا تفرط في متقاعدي سلك التعليم، بل تسارع للاستفادة منهم في تقرير وتشكيل المناهج والطرق التعليمية لتنمية مجتمعاتها، ما يساعدها على تلافي المآزق المحتملة للعبور إلى المستقبل بثبات ورؤية متوافقة مع متطلباته، لأنهم ينطلقون من والواقع وظروفه، وأستغرب في الواقع من تجاهل جيش قدامى المعلمين والموجهين التربويين، وقلة الاستفادة من خبراتهم الطويلة في حقل التعليم، والتي يمكن لها المساهمة بفعالية في فك شفرات بعض التعثر التعليمي في مرحلته الانتقالية هذه، وأرى أن تكوين مجالس استشارية من هؤلاء الخبراء المتقاعدين، سيكون له مردوده الإيجابي الأكيد على مخرجات التعليم.