يردد كثير من الناس مقولة: "فاقد الشيء لا يعطيه" في مواقف عديدة، وأول مرة سمعتها عندما كنت في المرحلة المتوسطة، عندما زارنا في المدرسة ولي أمر أحد الطلاب، وكان يناقش وضع ابنه مع مدير المدرسة، ولكنني لم أعرف المقصود منها في ذلك الوقت، ويمكن تصنيف آراء أفراد المجتمع حيال هذه المقولة بين مؤيد لها، ومعارض لها، ومؤيد ومعارض في الوقت نفسه؛ فيرى المؤيدون لصحة هذه المقولة "أن من يفتقر للشيء، أو من لا يملكه بشكل مطلق لا يمكن أن يعطيه للآخرين، وبذلك يرون صحتها، وهذه الفئة تفكر فيما لا تملكه، أو المفقود، ولا تركز على ما هو موجود، أو ما تملكه، أما غير المؤيدين لصحتها، فيرون أن هناك مبالغة في هذه المقولة، وأن الفاقد للشيء هو أكثر شخص يقدّر، ويعرف القيمة الحقيقية للأشياء التي يفتقدها، ومن ثم يكون أكثر الناس إدراكا للحاجة لها من قبل الآخرين، ومن ثم يعطيها عندما تتوافر له، وبذلك فالشخص الذي يفتقد شيئا في حياته يحاول أن يعوضه لغيره، وهو الأقدر على إعطائه عندما يملكه، أما الفئة الثالثة التي تؤيد المقولة وتعارضها في وقت واحد "فاقد الشيء لا يعطيه، ويعطيه"، فترى أن هذه المقولة قد تكون صحيحة في مواقف معينة، وغير صحيحة في مواقف أخرى؛ فعندما يفتقر بعض الناس للأشياء المادية، أو المحسوسة فإنه لا يمكن أن يقدمها، أو يعطيها، لأنه هو محروم منها، ومن هنا جاءت صحة هذه المقولة جزئيا عند هذه الفئة، أما إذا كان الفرد محروما من بعض الجوانب المتعلقة بالمشاعر، والأحاسيس من قبل الآخرين؛ فالفقد هنا مختلف، أو غير حقيقي، فالموضوع هنا يختلف، لأنه يمتلك مشاعر، وأحاسيس مثل الاحترام، والحب، والتشجيع، والحنان، والرعاية، والتعزيز، والثناء، والعطف، وقد يفقدها الشخص مؤقتا نظرا لظروف يمر بها، أو لقناعات معينة مؤقتة، أو اتجاهات محددة، أو مبادئ يؤمن بها، ولكنه في الواقع يمكن أن يعطيها، أو يمنحها للآخرين عندما يكون لديه عزيمة صادقة، وقوة إرادة، وغير مستسلم للواقع غير المناسب الذي يمر به، ولديه أهداف محددة يسعى بإصرار لتحقيقها.
والأمثلة على الآراء حيال هذه المقولة موجودة في مجتمعنا، ولا بد من الاستفادة منها بشكل كبير بما يعود على أفراد المجتمع بالنفع والفائدة، وفيما يتعلق بـ "فاقد الشيء لا يعطيه"؛ فالمعلم التقليدي الذي أمضى وقتا طويلا في التدريس ولم تُقدم له دورات تدريبية على المستجدات، سواء في مجال تخصصه، أو المجال التربوي، أو التقني، ولم يحاول أن يطور مهاراته، وقدراته التربوية بنفسه، ويُطلب منه تدريس منهج جديد ولم يحصل على تدريب مكثف على تنفيذ هذا المنهج، وتحقيق أهدافه؛ فالمعلم هنا فاقد لهذه الجوانب، ولذلك لا نتوقع منه أن يقوم بتدريسه بالشكل المطلوب، وهنا أقول نعم أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ لأنه لا يملكه، ولا يحاول أن يغير من وضعه. أما المثال الآخر فيتضح من خلال عمل الإداري الذي يعمل على رأس الهرم في إدارة، أو قطاع ما، ولكنه يفتقر للخبرات، والمهارات الإدارية التي تجعله إداريا ناجحا، كما يفتقر إلى إدارة اجتماعاته، وتوثيق علاقاته بمن يعمل معه، أو من حوله، أو من يتعامل مع القطاع الذي يترأسه، ولا ينجز العمل في الوقت المحدد، ويتردد كثيرا في كثير من القرارات، ولا يثق بمن يعمل معه في كثير من الأمور؛ فهذا المدير يفتقر لأساسيات الإدارة، والقيادة ويكون عبئا على هذا القطاع، وتندرج شخصية هذا الشخص المسئول تحت الفئة التي يقال عنها "فاقد الشيء لا يعطيه".
أما التصنيف الثاني الذي يركز على الحالات التي يمكن أن يكون الشخص فيها قادرا على إعطاء الآخرين بالرغم من فقده هو شخصيا لها، والأمثلة كثر ومنها: موظف مجتهد، ونشيط، ومتميز، ومتحمس ولكنه يعمل ضمن منظومة إدارية لا تعمل على تشجيع المتميز من الموظفين، ومكافأته، وتعزيز مواقفه الإيجابية المختلفة، كل هذه الجوانب متعلقة بشخصية الفرد، وأحاسيسه، وعندما يتقدم، ويترقى هذا الفرد الذي لم ينل التشجيع، والتعزيز، والمدح، والثناء مقابل إنجازاته وهو يؤمن بأهميتها، ودورها في الاستمرار في الإنجاز، والتميز ويصبح مسئولا في إدارته التي يعمل بها، يقدم ما كان حُرم منه من إدارته السابقة من تحفيز، وتشجيع للآخرين، لأنه يرى أهميته، وتأثيره على الإنتاجية لدى زملائه، لذا نجده يركز على الجوانب التي يراها في هذا المجال، ومن هنا نقول إن "فاقد الشيء يعطيه"، الفئة الثالثة في هذا التصنيف تشمل من يفتقد الشيء ولا يعطيه، وفي ظروف أخرى قد يعطيه، والمثال على هذا هو أن الفرد قد يكون ميسور الحال ولديه ثروة كبيرة ولكنه لا يتصدق منها، ويعمل جاهدا لتنمية هذه الثروة من دون أن يخرج منها الصدقات، وقد يصل الحد به إلى عدم إخراج الزكاة، ولا يقضي حاجة المحتاج إذا جاءه، وهنا ينطبق عليه الجزء الأول أن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا الشخص يفتقد جانبا مهما وهو إدراك أن المال عنده مؤقت ولا يدرك أهمية إخراج الزكاة، والصدقة، ومساعدة المحتاجين، فهو فقير في هذا الجانب، وبعد مرور هذا الشخص بظرف معين، أو تجربة مختلفة، أو رجوعه لنفسه ومحاسبتها قد يحدث له تغيير في مواقفه السابقة، واتجاهاته نحو ضرورة الإنفاق من المال، وإخراج الزكاة، والصدقة، وتقديم المساعدة للمحتاجين، وهنا يمكن القول بأن فاقد الشيء يعطيه، وبنظرة كلية لموقف هذه الفئة فإن "فاقد الشيء لا يعطيه، ويعطيه". وهنا أرى أن التسرع في إصدار القرار، أو الحكم على بعض المواقف قد يكون غير موفق، فلا بد من التحقق، ومن ثم اتخاذ القرار الصحيح.