تصطف منازل الحي التي تناهز المائة بكبرياء وأنفة يغالبان الوهن الذي أصاب السواد الأعظم منها، حتى يخيل أنها تتكئ على بعضها البعض مثل كهل أضنته صروف الدهر، هكذا الحال في حي الديرة الواقع ببلدة الخويلدية في محافظة القطيف الذي ما زالت مبانيه تأبى الحداثة، وعربات النقل الصغيرة هي وسيلة النقل للسكان، وضيق الأزقة أشبه بمنع مهذب لدخول المركبات مكتفية بسماع خطى الأرجل التي تجوب المكان بهدوء وسكينة، بعيدا عن تعقيدات وصخب الحياة.
ومع مرور نحو القرن على دخول أول مركبة للمملكة، إلا أن حي الديرة في الخويلدية يبدو أنه بحاجة إلى قرن آخر لدخول المركبات في ظل بقاء الأزقة على حالها متمنعة في أن تبسط أزقتها الضيقة لعجلات غير عجلات عربات النقل الصغيرة، فيما تطل المنازل بنوافذها القليلة على تلك الأزقة وكأنها تبارك فعلتها، محتفلة مع بعضها بمهرجان تراث ينطلق عفوياً مع إشراقة كل يوم، فيما السكان يكملون فصول المهرجان كجمهور راق في مسرح أوبرا.
اسمه حسين، شاب من سكان الحي، يحمل على عاتقيه مهمة نقل حاجيات أسرته كل يوم بلا كلل أو ملل، يصف لـ"الوطن" ما يدور قائلاً: أعتدت الأمر، كل يوم أجلب احتياجات عائلتي عبر عربة النقل، قد تراه مضحكاً لكن ذلك ما يفعله الجميع هنا، أما مركبتي فأركنها في الجوار عند مدخل الحي، ليس ممتعاً كثيراً خاصة عند شراء أغراض كثيرة ولكن أراه أفضل من دخول المركبات التي ستلوث المكان، ثم إن الوضع الحالي يمنحنا الكثير من الخصوصية التي تميز الحي، سأتزوج قريباً وقررت أن لا أغادر المكان لأنني أحبه، قبل أن يستأذن لبعض شأنه دافعاً عربته الصغيرة أمامه بخفة تكشف معرفته بتلك الممرات جيداً.
ويضم الحي الكثير ليتعجب منه المار به؛ حيث المنازل القديمة بأبواب خشبية ضيقة أشبه بتحفة فنية لتحافظ على النمط التراثي لتاريخ المنطقة، فيما كانت الأزقة مرصوفة ومعبدة بطريقة جميلة بواسطة الحجر الأحمر الصغير، وكان الصمت يلف المكان مانحاً سالكي تلك الأزقة الكثير منه، بهدوئهم الذي جعل التحية بينهم تكون بالابتسام حتى صارت بما يشبه العرف.
وفي حي الديرة لن تستطيع استعادة ذاكرتك بأنك في عصرنا الحديث إلا عند رؤية مكيفات الهواء في المنازل أو كبائن شركة الكهرباء في كل زقاق، وببساطة لن يحتاج الراغبون في تصوير وقائع مسلسل وقعت أحداثه قبل ست أو سبع عقود إلى أي تغيير في المنظر العام لبدء عملهم.
أما علوي السادة وهو رجل في منتصف العمر فيتناول في حديثه ما يراه محافظة الحي على تقاليده الاجتماعية أكثر من أي مكان آخر، حيث يقول: هنا الألفة بين الناس بارزة بشكل كبير لأن الجميع يعرفون بعضهم، ومتفقون في كل أمورهم وفي مقدمتهم عدم الرحيل من الحي رغم ضيقه، أما البناء فلا يتغير شكله من الخارج ويكتفى بالترميم إن لزم الأمر، يمكنك أن تشاهد تلقف الشباب لحمل أي أغراض يحملها كبار السن بدلاً عنهم.
وأضاف: "وأذكر عندما شب حريق في وقت سابق في أحد منازل الحي، تصدى شباب الحي لعملية الإنقاذ حتى وصول الدفاع المدني رغم خطورة الحريق ومنعوا بالفعل وقوع أي خسائر، إنه تأثير المكان، وتلك الجدران التي تذكرنا بكل جميل".