مشكلتنا الحقيقية مع معظم قضايانا، أنها تطفو لأيام معدودات على سطح الرأي العام، فتكتب الأخبار والمقالات، وتصنع الـ"هاشتاقات"، وتفرد التغريدات، وتغضب البرامج التلفزيونية وتقاريرها، ويصدر تصريح وقتي جاف، يقتل كل هذا اللغط، والذي تغيب عنه القرارات الجذرية، إلا ما من تكوين لجنة.. غالبا.

ففي تقرير للزميل فرج الرمالي ـ نشر عبر "الوطن" قبل أسبوعين ـ قال إنه وقبل عامين من اكتماله وتشغيله بشكل رسمي، بدأ مستشفى النساء والولادة بمنطقة حائل - "قيد الإنشاء" -، العمل، ولكن وفق تخصص مختلف، وذلك بعد أن حول عدد من العمالة ساحات المشروع إلى مزرعة لإنتاج البقدونس والجرجير والذرة، وتوريدها إلى سوق الخضار.. إذ استنفرت السلطات المختصة في المنطقة، وشكلت لجنة "عاجلة" تمهيدا لإزالة المزرعة، ثم بعدها بأيام، تم تغريم الشركة المنفذة لمستشفى الولادة في حائل مبلع أربعة آلاف ريال فقط لا غير - حسبما ذكرت الصحف -، وهو مبلغ لا يوازي نصف دخل يومي لمنتجات "مزرعة الصحة" في يوم، وبعدها انتهى كل شيء!

والحقيقة أن قضية "البقدونس"، وبعيدا عن مساهمتها في خفض أسعار الخضروات كما يقول الجميل خلف الحربي، إلا أنها أمر ملهم، يجعلنا نفتش عن "البقدونس" الواقف خلف كل تعثر.. فبنظري أنه كلما كانت قيمة المشاريع أعلى، كلما كان المنتج أغلى، فمشاريع "البقدونس" تختلف عن مشاريع "التمر" أو "الفراولة"، كما أنه لا يمنع أن تخصص كل وزارة عددا من المهندسين الزراعيين، للإشراف على مزارع "الجرجير" المصاحبة لكل مشروع، في ظل وجود كثير منهم بلا وظائف، ولتوفير بعضا من تكاليف المشاريع، كالتغذية وغيرها..

وبعيدا عن كل هذه السخرية "الخضراء"، الأمر لا يقول لنا سوى شيء واحد، وهو أن المشاريع بشكل عام ـ وهذا المشروع على وجه التحديد ـ ليس لها موظفون للإشراف والمتابعة، أو هناك فعلا ولكن على الورق، وإلا من كان يتجرأ على صنع مثل هذا، فشمس "البقدونس" لا تحجب بغربال.. والسلام