الضبابية التي تعتري العلاقات الأميركية/ الإيرانية يمكن فهمها في سياق فهم مجريات الأحداث العالمية بعد سقوط المنظومة الشيوعية وإعلان بوش الأب "النظام العالمي الجديد"، الذي يرشح هيمنة المعسكر الغربي بقيادة أميركا بالتفرد والقياد الحضاري للعالم، ونشوء القطب الأوحد الذي يتحكم بمسيرة التاريخ المعاصر، ومن ذلك إخضاع القوى المعاندة لهذا المشروع الجديد بالقوة أو باللين، وما تلا ذلك من إعلان مشروع "الشرق أوسط الكبير"، الأمر الذي أدركه الساسة الإيرانيون منذ وقت مبكر، فبدأت حالة "التجاذب السياسي" بين الدولتين التي هي في نهايتها اختلاف على الحصص التي يفترض أن يحصل عليها من يدخل في القرن الأميركي الجديد، ولذا بادرت إيران بالتوجه إلى المفاعلات النووية التي تعطيها القوة في التفاوض على الحصة المفترضة لها في المنطقة.

وفي مقابل هذا الإعلان الظاهري للعداء وشعار "الشيطان الأكبر" الذي سكه الخميني بعد الثورة نجد أن إيران قد تعاونت مع أميركا بشكل لافت في حربين كبيرتين هما: أفغانستان والعراق، ومهدت أميركا لإيران الاستحكام على العراق، مما يدل على أن الصراع بينهما ليس صراعاً حقيقياً إيديولوجياً، بل هو صراع استراتيجي قابل للحل والتفاوض والتعاون وحل الملفات العالقة بينهما، ولا شك أن هذا سيكون على حساب دول الخليج التي ترى في إيران صاحبة مشروع توسعي يقوم على أرضية عقدية واقتصادية ومهدوية.

إن التفكير في التسوية للخلافات بين أميركا وإيران ليس وليد اللحظة بل هو قديم، حيث بدأ النقاش الجدي بينهما في 2003 والإشارة من قبل الطرف الإيراني إلى استعداده للتنازل والتفاوض وذلك عبر وثيقة سرية أرسلت من قبل الطرف الإيراني وما يتعلق بالتعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي ومحاربة الإرهاب، كما ذكر ذلك تريتا بارسي في كتابه "التحالف الغادر: التعاملات السريّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة الأميركية".

لقد جرى أخيراً اتصال بين الرئيس أوباما والرئيس روحاني وهو أول اتصال بين رئيس أميركي وإيراني منذ 30 سنة، جرى خلاله الحديث عن العلاقات والتفاوضات وحل قضية المفاعل النووي وغيرها، بل قد حدد روحاني المدى الزمني الذي يمكن أن يتم فيه التفاوض والحل للملفات العالقة وخاصة الطموح النووي، مما يدل على أن كل شيء قابل للحل والتفاوض والتنازل، وخاصة أن إسرائيل وإيران كما يقول بارسي: "الدولتان تميلان إلى تقديم نفسيهما على أنّهما متفوقتان على جيرانهما العرب، حيث ينظر العديد من الإيرانيين إلى أنّ جيرانهم العرب في الغرب والجنوب أقل منهم شأناً من الناحية الثقافية والتاريخية. ويعتبرون أن الوجود الفارسي على تخومهم ساعد في تحضرهم وتمدّنهم ولولاه لما كان لهم شأن يذكر" .

أما لماذا يتم إعلان التحاور بين الطرفين، فأعتقد أن أميركا حريصة على التعديل في استراتيجيتها بالمنطقة بعد أحداث مصر الأخيرة، وعدم قدرتها على توجيه الضربة العسكرية لنظام الأسد، والأمر سيكون مزيداً من الضغط الكبير على دول الخليج، وإظهار العلاقات السرية المخفية مع إيران للعلن باعتبارها حليفاً استراتيجياً في المنطقة مع إسرائيل، وهذا يعني إمكانية توسيع نفوذ إيران في المنطقة وتعويضها عما فقدته في سورية، وتسريحها تجاه بعض دول الخليج، الأمر الذي سيصعد الأمور في البحرين والكويت، ولربما تشهد الأيام القادمة مزيداً من التصعيد لجيوب إيران في المنطقة.

إن هذا التوجه بين الدولتين يقتضي منا مزيداً من الحذر في الأيام القادمة، وألا نصدق ما يشاع من خلافات "عميقة" بينهما، فكل الملفات التي تبدو محل اختلاف يمكن حلها بسهولة متى ما تم الاتفاق على اقتسام المنطقة استراتيجياً واقتصادياً، ولن يتم ذلك إلا بإقامة حرب سنية شيعية يتم من خلالها إعادة تشكيل المنطقة وفق الحلف والخطة الجديدة التي ستجلب لنا مزيداً من المشكلات التي تحتاج لاستراتيجيات مواجهة سريعة وفعالة.