أكتب هذا الأسبوع من نيويورك حيث عقد "منتدى التعاون الاستراتيجي الخليجي - الأميركي" دورته الثالثة يوم الخميس الماضي 26 سبتمبر. وشارك فيه وزراء الخارجية في دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الأمين العام للمجلس ووزير الدفاع الأميركي.

وكان المنتدى قد انطلق في مارس 2012 في مقر مجلس التعاون في الرياض. وبالنظر إلى عمره القصير نسبياً، فإن ما تم الإعلان عنه في اجتماع نيويورك يُعتبر إنجازاً حقيقياً، سواء من حيث تقارب المواقف من القضايا الإقليمية، أو فيما يتعلق بقضايا التعاون المشترك في مجالات عمل المنتدى (الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية وغيرها)، وبالطبع ما زال هناك المزيد من العمل الذي يحتاج الجانبان القيام به.

عُقد الاجتماع في فندق "والدورف أستوريا" التاريخي. ومع أن نيويورك تحفل بالفنادق الأحدث والأكثر فخامة، إلا أنه ما زال المفضل لدى رؤساء أميركا ووزرائها، بالإضافة إلى الكثير من الساسة العرب والخليجيين. وبالإضافة إلى مناقشة أعمال المنتدى الرئيسة تدارس الوزراء ومساعدوهم القضايا الإقليمية، مثل سورية وإيران واليمن ومصر وفلسطين.

ولأن الاجتماع عُقد قبل ساعات من التصويت على القرار المتعلق بسورية في مجلس الأمن، كان ملفها محل نقاش مستفيض. وخلافاً للانطباع السائد من تركيز الأميركيين على الملف الكيماوي، اتفق الوزراء على "أن الفظائع التي يرتكبها النظام السوري أكبر من أن يتم اختزالها في الجريمة الشنعاء لاستخدام الأسلحة الكيماوية. وأن المسؤولين عن جميع الجرائم التي يرتكبها النظام السوري في حق الشعب السوري يجب ألا يفلتوا من العدالة، وأن يُحملوا مسؤولية ما ارتكبوه من جرائم،" كما جاء في البيان المشترك.

وفضلاً عن ذلك، اتفق الأميركيون والخليجيون على "دعمهم لائتلاف المعارضة السورية وأعادوا التزامهم بتقديم جميع أنواع المساعدات إلى المعارضة السورية عن طريق (وحدة تنسيق المساعدات) و(المجلس العسكري الأعلى) المرتبطين بائتلاف المعارضة السورية." وعلى ألا يكون لبشار الأسد أو معاونيه دور في الحكومة الانتقالية.

وبالمثل حول إيران، اتفق الجانبان على رفض اختزال المشكلة مع إيران في ملفها النووي. وعلى الرغم من حملة العلاقات العامة الذكية التي أطلقها الرئيس الإيراني، كان الوزراء حذرين، فاقتصروا على القول بأنهم تابعوا "تصريحات الرئيس حسن روحاني المتعلقة باهتمام إيران بحل خلافاتها مع جيرانها، وشددوا على أن تترجم إيران ذلك إلى خطوات ملموسة وعملية".

وبالطبع، فإن مجال عمل المنتدى الرئيس هو الشراكة الجديدة نسبياً بين أميركا ومجلس التعاون كمنظمة إقليمية، وفي هذا السياق، راجع الوزراء مسيرة المنتدى منذ دورته الثانية في سبتمبر 2012، وجددوا العزم على "اتخاذ إجراءات منسقة ومشتركة" في إطار المنتدى لتحقيق أهدافه، ومن ذلك على سبيل المثال:

أولاً: تعزيز التنسيق في مجال الدفاع ضد الصواريخ الباليستية، بما في ذلك التوصل لاحقا إلى منظومة خليجية شاملة للدفاع الصاروخي قابلة للتشغيل بصورة مشتركة بين قوات مجلس التعاون والولايات المتحدة، التي ستعمل كنظام متكامل للدفاع عن أراضي ومنشآت دول مجلس التعاون ضد تهديدات الصواريخ الباليستية.

ثانياً: الاستمرار في تطوير التخطيط الدفاعي الموحد لمجلس التعاون، وتطوير حلول مشتركة لتأمين الأسلحة والتقنية العسكرية.

ثالثاً: توسعة قدرات مركز تنسيق الأمن البحري في البحرين لتبادل المعلومات في المجال البحري في منطقة الخليج.

رابعاً: زيادة التنسيق في مجال منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

خامساً: تقديم الدعم الكامل للجنة المشتركة للتعاون الأمني، المكلفة بقضايا مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والقرصنة وتهريب الأسلحة، وغيرها مما سيكون على جدول أعمال اللجنة حين تلتقي يوم 9 أكتوبر 2013 في الرياض.

سادساً: تدعيم الشراكة الاقتصادية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة عن طريق تحقيق الأهداف التي تم تحديدها خلال المنتدى "الخليجي - الأميركي" للتجارة والاستثمار الذي عقد في الأمانة العامة في الرياض خلال 3-5 يونيو 2013، تنفيذا للاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري والفني.

سابعاً: عقد اجتماعات عالية المستوى لفرق العمل في مجالات الصحة العامة، إدارة الموارد الطبيعية، البحث العلمي والتقنية، والإغاثة في حالة الكوارث الإنسانية والبيئية بهدف تطوير التعاون في هذه المجالات.

حينما بدأ المنتدى أعماله في مارس 2012 في الرياض، اعتقد البعض أن كعب أخيله، أو نقطة ضعفه، تكمن في الفجوة الكبيرة بين مواقف الأميركيين والخليجيين تجاه القضية الفلسطينية، وانحياز أميركا الواضح إلى جانب إسرائيل. وما زال ذلك تحدياً قائماً، ولكن الكثير من التقارب حدث في نيويورك الأسبوع الماضي. صحيح أن الجانبين ما زالا متباعدين في بعض نواحي القضية، ولكن ثمة تقارب أميركي ملحوظ من الموقف الخليجي في نواحٍ أخرى. وتجد هذا التقارب في اللغة التي تبناها المنتدى، حين أشار إلى أن يكون هدف المفاوضات الحالية "التوصل إلى تسوية سلمية على أساس حل الدولتين ووفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومبادرة السلام العربية". ووافق الجانب الأميركي على "دعم حل شامل، وعادل ودائم، يقوم على تأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويحل جميع قضايا الوضع النهائي." وأكد الجانب الأميركي استمراره في دعم عملية السلام عن طريق تقديم مساعدات تنموية سخية للفلسطينيين.

وبالطبع ما زال هناك مزيد من التقدم الذين يتعين إحرازه للوصول إلى موقف أكثر حياداً للولايات المتحدة، ولكن هذه المواقف التي عبّر عنها الجانب الأميركي، علناً، تسجّل تقدماً ملموساً، خاصة حين نقارن ذلك بالدورتين الماضيتين للمنتدى، حين ورد ذكر القضية الفلسطينية عرضاً ودون تفاصيل. ولا شك أن هذا التقارب ناتج عما أتاحه المنتدى من فرص للوزراء وكبار مساعديهم لتبادل وجهات النظر حول هذه القضية التي تهم الجانبين من منظورين مختلفين تماماً.

ولا شك أن التقدم الذي تم إحرازه في عدد من المسارات خلال أقل من عامين يثير الاهتمام والإعجاب، ولكن هل يستطيع المنتدى الاستمرار في هذا الزخم، وأن يمتد ذلك ليشمل بقية المسارات؟ تعتمد الإجابة على مدى عزم الجانبين على بذل مزيد من الجهود الحقيقية، وعلى توفير الموارد اللازمة لذلك، خلال الأشهر القادمة.