دائماً وأبداً لا يعمل المقص إلا بطرفيه، ليكون فاعلاً ناجزاً، مجهزا لكل المهام. وهناك أنواع من المقصات والماركات، فكلما توسعت الجهة كان لزاما إحضار مقص جزل حاد، (بتار)؛ وحين تعرف مدى جودة المقص تعرف حينها أنه في يد ذات شأن في تلك المهنة. وهناك المقص (المثلوم) أي الكالح الذي يتلف جميع ما يقع بين فكيه، لأنه (يعض) كل شيء يقع عليه! فلا يمسك به إلا غير الممتهنين وغير الحرفيين، لأنه سيسبب الشلل لأولئك المهرة لو أنهم استخدموه بطبيعة الحال.

فماذا لو انكسر المقص ولم يبق منه إلا طرف واحد؟! بالتأكيد أنه سيتحول إلى (مطواه) لا تستخدم إلا كأداة للقتل والموت، بعدما كان أداة للبناء والإنتاج! فهل نحن من يمتلك المقص كاملا مكتملا؟ أم نمتلك أحد طرفيه، فلا يبقى لنا إلا أداة حادة لا تقوى إلا على الفتك بنا نحن دون غيرنا! ومن يمتلك الإنتاج في زمننا هذا يمتلك الريادة، لأن الصناعة هي التي تحدد الهوية في رأي منظري العولمة، حيث يرى منظروها أنه لا مكانة لبلد إلا بقدر ما يمتلك من معرفة تسهم في الإنتاج وتقديم الخدمات، فيقول حسام الدين خضور في مقدمة كتاب (موجز تاريخ القرن الحادي والعشرين): "سيظل هنتنغون قلقاً ما لم يعترف بأن التطورات الموضوعية ستؤثر حتماً على الهوية وتكيِّفها كما تتطلب حركة التطورات، وليس كما يشاء أنصار الهوية الثابتة"! ثم يقول: "هذه الكلمات مفتاحية لفهم العملية الاقتصادية المعاصرة. وهي تشير إلى تغيير عضوي في بنية رأس المال العالمي".

وهو ما ترتكز عليه هذه النظرية فى العمق من الأهداف؛ فهل لدينا جاهزية لخوض غمار العولمة حسب هذا الفكر المفروض قسراً على العالم -عولمة الاقتصاد وسيادة رأس المال-؟ كثيراً ما نتساءل: أين الصناعة في الوطن العربي على الرغم من امتلاكه لرأسمال كبير يقتات عليه الغرب والشرق؟! لماذا لا يكون وطننا مرتعاً لهذه المصانع أو تلك، بدلا من تحويل أراضينا إلى موطن خصب للاستيراد والاستهلاك؟!

لم يعد في الزمن ما يكفي للتفكير؛ فالزمن أسرع في ظل عالم صغير للغاية، تتسابق فيه الدول للحصول على هوية جديدة متحركة وغير ثابتة، وذلك على مبدأ "قل لي ماذا تصنع أقل لك من أنت"، فلم يذكر توماس فريدمان الوطن العربي في خارطة العالم المستوي، لأنه يرى أنه غير صناعي! فأين نحن ذاهبون؟ وهذا هو الوطن العربي يضج ضجيجاً بالملايين من القوة البشرية، ومال اقتاتت عليه صناعات بلدان أخر، وفي الوقت ذاته ليس منه أحد من هؤلاء: فينيت سيرف وبوب كان: مخترعا بروتوكول الـT C P، أو بيرتر لي مخترع الـ WWW، أو راي توميلينيس، مخترع البريد الإلكتروني، أو بل جيتس مؤسس ميكروسوفت! هؤلاء هم من جعل العالم مسطحاً حسب نظرية فريدمان! ولا يقتصر الأمر على صناعة التقنية بقدر ما يعم الأمر جل الصناعات الخفيفة منها والثقيلة، في ظل توفر إمكانات وبيئة حاضنة لهذا الأمر. وقد يرد البعض أن هؤلاء عباقرة جاد بهم الزمن على أوطانهم، ولكن من يرى مراكز الأبحاث وأكاديميات البحث العلمي يعرف أن وطننا العربي يعج بالعديد ممن يحملون بين أكتافهم رؤوساً مضيئة، لكن بيئتهم غير حاضنة للأسف الشديد!

وعلينا أن نتأمل كلمات فريدمان هذه في رحلته إلى الهند فيقول: "قبل تسع سنوات، عندما كانت اليابان تضرب دماغ أميركا في صناعة السيارة، كتبت عموداً عن اللعب بلعبة جغرافية أين كارمن سانيغو في العالم؟ مع ابنتي أرلي ذات السنوات التسع. كنت أحاول مساعدتها بإعطائها مفتاحاً للغز.. وسألتها "أين تصنع السيارات؟ دون أن تضيع لحظة أجابت: اليابان".

وحين ذهب توماس إلى الهند قال إن الأميركان كانوا يسارعون بإلقاء التحية باللهجة الهندية حينما يتحدث إليهم أحد من شركات مصنعي أجهزة الكمبيوتر حينما يحادثه محادثة تليفونية على الرغم من أنهم كانوا في ما سبق: "قبل عدة سنوات لم يرد أحد في أميركا أن يتحدث إليهم بتلك اللهجة. أما الآن فهم يحاولون بلهفة. وكثيرون يعرفون كيف يقولون مرحباً بطريقة هندية صحيحة" ثم يتساءل فريدمان: "إذا كانت لدي حفيدة ذات يوم، وأخبرتها أنني ذاهب إلى الهند، فهل ستقول: "جدي، هل هي البلد الذي تأتي منه برامج الكومبيوتر"؟

إن مفهوم العولمة بمعناة الاصطلاحي ليس بريئاً كل البراءة من مفهوم سيطرة رأس المال العالمي، وهذا هو لب القضية التي يجب علينا إدراكها، فيقول حسام الدين خضور في هذا الصدد: "ربما لا تزال من المسلمات في الفكر الاقتصادي أن رأس المال يولِّد الحروب".. ويتجرأ على القول: ربما كانت بنية رأس المال العضوية الراهنة أو ربما الأصح عملية الإنتاج العالمية، ورأس المال أحد مكوناتها، من التداخل والتشابك والتعقيد إلى درجة قد تمنع قيام الحروب، التي عرفناها مستقبلاً. وهي لا شك تعرقلها على نطاق واسع في هذه الآونة".

ومع تحفظنا على كثير من الأفكار العولمية السائدة، إلا أن هناك حقيقة واحدة ستظل أمام الأعين الجاحظة؛ وهي أن قوة الدول في قوة صناعتها واقتصادها وإنتاجها وتأتي الصناعة في المقدمة، إن شئنا أن نضع لأوطاننا نقطة في محيط العالم المستوي، إن جاز التعبير. فهل يظل المقص مكسوراً؟!