هنالك عدة تعريفات ومفاهيم للثورة الشعبية؛ ولكنني أختزلها بالتالي، وهو أن الثورة الشعبية تعني التغيير الكيفي والكمي السريع والمفاجئ للواقع السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي لمجتمع ما وبواسطة العنف. وما يعطي الثورة الشرعية القانونية والأخلاقية والتاريخية، كونها تفرض نفسها بواسطة غالبية مجتمعها؛ نتيجة لكون مقدرات ومعطيات مجتمعها لا تنعكس على واقعه المعاش على الأرض، بعدل أو حتى معقولية، مما يحدث تبرماً ثم غضباً عاماً، يؤدي لانفجار ثورة فيه، تعيد ترتيب مقدرات ومعطيات المجتمع لواقعه المعيشي على الأرض، بقدر من العدالة والتوازن النسبي عما قبل. وبما أن الثورة هي نتاج انفجار غضب وحراك غالبية المجتمع؛ فهي تكون سريعة ومفاجئة للداخل والخارج، في تغيير واقعها من حال إلى حال، وعليه تفرض نفسها على الداخل والخارج كأمر واقع سريع ومفاجئ، يتحتم التعامل معه كما هو، لا كما يتمنى خارجه أن يكون.
والثورة كحالة تغيير اجتماع- سياسية، شغلت الفلاسفة والمؤرخين منذ العصور القديمة؛ حيث صنفها الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى نوعين: التغيير الكامل من دستور لآخر، والتغيير الجزئي على الدستور الموجود. وهنا أرسطو صنف الثورات بخواتيمها لا بمقدماتها وحالاتها؛ وذلك لضبابية مفهوم الثورة آنذاك. والمؤرخون المسلمون سموا الثورات، مثل ثورة الخوارج وثورة الزنج وثورة القرامطة وغيرها، بالفتن، اتساقاً مع رأي الفقهاء. حيث حذر الفقهاء المسلمون من عملية تغيير الحكم بالسيف، واعتبروا ذلك فتنة من الفتن الظاهرة؛ وحكموا عليها بعدم الجواز. وبرغم أن الفقهاء لم يجيزوا الخروج على الحاكم؛ إلا أنهم وفي مقدمتهم الماوردي، في كتابه "السياسة الشرعية"، رأوا بشرعية حكم من يسيطر على الحكم عن طريق القوة عندما تستتب له الأمور؛ ويفرض نفسه كأمر واقع، وهنا الخروج عليه يعتبر إطالة لأمد الفتنة وتأجيجاً لها.
أما ابن خلدون وميكافيلي، فقد ناقشا الثورة، ليس بكونها ثورة كما يتداول الآن، ولكن بكونها حتمية حراك أو تغيير تاريخية؛ وفهمهما هذا أقرب لمفهوم الثورة الآن، ممن سبقهما، في محاولة رصد وفهم حالة الثورة وعليه تعريفها. حيث حددا للدول أعمارا، شباب، رجولة، ثم شيخوخة، يعقبها موت. واتفق كلاهما على أنه في حال تفشي الفساد في دولة ما، ولمدة طويلة، يكون تغيير الدولة أسهل وأضمن من عملية إصلاحها، حيث يصبح الفساد جزءا من بنية وتركيبة الدولة، والتي تنهار بانهياره.
وقد اكتمل رصد وعليه فهم وتعريف الثورة، بعد تفجر ونجاح الثورة الفرنسية 1789- 1799، والتي لم تعد بعدها فرنسا كما كانت قبل الثورة، كما لم تعد أوروبا بعد الثورة الفرنسية كما كانت قبلها. كما لم يعد العالم كله بعد الثورة الفرنسية كما كان قبلها؛ حيث أصبح تاريخ تفجر هذه الثورة هو بداية حقبة التاريخ الحديث؛ وفصلته عن تاريخ ما قبل الثورة الفرنسية من حقبات سابقة لها.
تبدأ الثورة بشرارة في بؤرة معينة في المجتمع، ثم تمتد لباقي بؤر المجتمع حتى تمثل غالبيته؛ عندها يطلق عليها ثورة شعبية. وكما ذكرت أعلاه بأن الثورة الشعبية سريعة الاشتعال، سريعة الامتداد، حيث هي نتاج انفجار غضب وحراك غالبية المجتمع؛ وتحدث بسرعة مفاجئة للداخل والخارج، في تغيير واقعها من حال إلى حال، وعليه تفرض نفسها على الداخل والخارج كأمر واقع، يتحتم التعامل معه، كما هو. وهذا ما يؤكد كونها ثورة وشعبية، حيث مقدرات الثورة من القوة والكثرة والسرعة والجدة بالغاية والوسائل، تجعلها تكتسح بزخمها مؤسسات النظام القديم، غير القابل للإصلاح، فتفقده توازنه وتزيحه من مكانه وتحل محله وبسرعة قياسية.
وعندما يقاوم النظام المطلوب إزاحته والحلول مكانه، ويطول أمد الصراع، فمعنى هذا أن النظام الموجود لم يفقد بعد كامل صلاحيته ولا شعبيته، حيث لا يصمد نظام موجود أمام ثورة تقصد إزاحته إلا كونه مدعوماً شعبياً، بنسبة أكبر ممن انخرط في الثورة ضده؛ وهنا تتحول شرارة الثورة إلى شرارة إشعال نار حرب أهلية. وعندما تطلب الثورة التي لم تحقق نجاحات سريعة، كما توقعته، بسبب عدم انخراط نسبة كافية من الشعب معها لإزاحة النظام؛ تطلب تدخلات خارجية لمساعدتها للوصول إلى تحقيق مآربها؛ وهنا تفقد شرعيتها كونها ثورة شعبية، وتتحول إلى حرب تدخلات خارجية، خاصة عندما يستعين النظام القائم كذلك بقوى خارجية لمساندته في الصمود أمام التدخلات الخارجية المقابلة. هنا لا نكون أمام ثورة وإنما نكون أمام صراعات إقليمية ودولية على مقدرات البلد المادية والجيواستراتيجية.
ومن المعروف، وهذا قد رافق جميع الثورات الشعبية في التاريخ، من الثورة الفرنسية للثورة البلشفية وحتى الثورة الإيرانية؛ بأن التدخلات الخارجية لا تأتي من الخارج لدعم الثوار وإنما تأتي من الخارج لدعم النظام وإنقاذه من السقوط خشية نجاح الثورة وتمدد التغييرات الثورية الراديكالية لتطاله، أو تقلب معادلة توازن القوى والمصالح في المنطقة لصالح قوى التغيير الثورية الراديكالية. وعليه فأخشى ما تخشاه الثورات هي التدخلات الخارجية؛ حيث هي إما ستأتي لمساندة النظام التقليدي القائم ودعمه، وإما لمساندة الثوار، أو جزء منهم، من أجل حرف مسار الثورة والتحكم بها، وإخراجها من مضمونها الذي اندلعت من أجله.
فما حدث في مصر وتونس هو انتفاضات شعبية نجحت بسرعة أذهلتا من حولهما ولذلك اعتبرتا تجاوزاً بثورتين، مع كون التغييرات في كلا البلدين، لم تكن براديكالية الثورات الشعبية الحقيقية؛ ولذلك مرتا بسلام من دون تدخلات خارجية تذكر.
كما أن الثورة الليبية ليست فعلاً بثورة شعبية، بل هي انتفاضة شعبية، حيث لم تمثل غالبية الشعب الليبي في البداية، ولم تكن وسائلها وأدواتها بأحدث من وسائل وأدوات النظام الذي انتفضت عليه، وعلى هذا الأساس تم طلب التدخل الخارجي لإنجاح عملية تغيير النظام، والذي تدخل بسرعة قياسية، ليس حباً وتعاطفاً مع الانتفاضة ومطالبها، ولكن كرهاً بالنظام السابق والتهافت على ثروات ليبيا النفطية. أي أن ما حدث في ليبيا، عبارة عن انتفاضة، وصبغت بالصبغة الشعبية عليها، لإعطائها المشروعية القانونية والأخلاقية، وهذا لا يقلل من أحقية ومصداقية المطالبين بها، ولكن ما حدث في ليبيا ليس بثورة شعبية؛ حيث نتائجها الآن تهدد ليبيا بالتقسيم لأقاليم، ومستقبل غامض لا يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه. وهكذا نجحت الانتفاضة في ليبيا؛ ولكن التدخلات الخارجية التي أنجحتها؛ كذلك نجحت بحرف مسار الانتفاضة. وهذا يدل على أن ما جرى في ليبيا، هو انتفاضة مسنودة خارجياً، ولم تكن ثورة شعبية، بالمعنى الحرفي للثورة الشعبية.
كما أن الحرب المندلعة الآن في سورية، والتي تشرف على دخول عامها الثالث، لا يمكن وصفها بالمعنى الحقيقي للثورة الشعبية، حيث لا زالت مؤسسات النظام قائمة ومتماسكة، كما أن عدم سقوط النظام لفترة طويلة استدعى التدخلات الخارجية ضد ومع النظام، وتحول الأمر مع الوقت إلى حرب صراع مصالح ومحاور إقليمية ودولية، السوريون هم أدواتها وزيت وقودها لا غير.