غادر المعلم برناوي الحياة بعد أن قتل على يد أحد طلابه.. ما أقسى ما يصلنا من أخبار نقرؤها يوميا في ساحة الوطن..لقد تألمت وأصابني حزن كبير كما تألم الكثيرون..
مواقع التواصل الاجتماعي ما زالت تبكي المعلم وتنعاه، لكن ذلك لا يفيد بعد أن وقع الفأس في الرأس.. الحدث أكبر من أن تصدقه حواسنا وتستوعبه عقولنا، فهاهو المعلم الذي قال عنه الشاعر أحمد شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا..
كاد المعلم أن يكون رسولا
يقتل بدم بارد.. إننا لا نريد أن تقفوا له.. لا نريد أن تبجلوه، لكن ما حدث له يدعو إلى التساؤل وإلى البحث ومحاولة معرفة إلى أين وصل بنا الحال ونحن البلاد التي يفترض هي بلاد الفضيلة والدين والأخلاق.. نحن بلاد الطيبة والنقاء والتسامح.. إلى أين يمضي هذا المجتمع وماذا يحكمه وما يسوده؟
وهذه التساؤلات تقودنا إلى تساؤلات أدق، ماذا يحدث خلف أسوار مدارسنا، وإلى أين تسير خطط وبرامج وزارة التربية والتعليم؟
كنا وما زلنا وسنظل نشدد على أن أهم وزارتين في أي دولة في العالم هما: وزارة التربية والتعليم، ووزارة الصحة.
لكن لا يخلو أسبوع من مشاكل ومصائب تطعن في خاصرة الوطن مما يحدث في هاتين الوزارتين، بالأمس ماجد الدوسري فقيد وزارة الصحة، واليوم المعلم برناوي فقيد وزارة التربية والتعليم.
لاحظوا أن اسم وزارة التربية والتعليم سبقت فيها التربية التعليم.. وهذه مصيبة أعظم، فهل يولي المسؤولون والمربون والمعلمون أكبر الاهتمام للتربية قبل التعليم؟ أم إن كلاهما في مهب الريح؟.
عني أفرد الحديث هنا عن وزارة التربية والتعليم.. بدءا من الزي المدرسي، مرورا بالمناهج الدراسية، وعطفا على الجدول اليومي والساعات التي يقضيها الطالب في المدرسة، ومرورا بالمعلمين، هذه الفئة التي يجب أن يكون لها قدر كبير من الحقوق التي لم تعط رغم أهميتهم في المجتمع وانتهاء بالمباني.
وأقصد بالحقوق التي تكفل لهم التدريب والتأهيل الكافيين، بما يضمن قيامهم بمسؤولياتهم على أكمل وجه. إضافة إلى مميزات يجب أن يُفردوا بها دون باقي المهن.. إنهم المعلمون والقدوة ومنهم يخرج شباب الوطن.
لست من طبقة أرستقراطية، ولم آكل بملعقة من ذهب، لكن إدارات وزارة التربية والتعليم ومنسوبيها، وأشكال طلابها وخدمات مدارسها ومحتوى مناهجها، يجعلنا نفكر ونحكي لأنفسنا قصص ألف ليلة وليلة، تلك الأساطير التي قد تتحقق فيأتي "شاه بندر التجار" أو فانوس علاء الدين السحري أو ربما خاتم سليمان لتحويل الحال من حال إلى حال.
لنبدأ من حرف الألف إلى حرف الياء، علنا نناقش أمورا أساسية في العملية التعليمية.
ألم يحن أن نستغني عن كل المباني المستأجرة المتهالكة.. ونستبدلها بمبان تتوافق مع ميزانياتنا وقدراتنا المالية.. عقود الصيانة تلك التي نسمع بها لكن لا نرى صيانة أو تصليحا.
أتعجب من نسبة التسرب دون حلول جذرية لها.. تمتلئ الأسواق والمولات بطلاب الثانوية العامة، وهم يدورن بلا هدف غير الهروب من اليوم الدراسي.. ما دور التربية والتعليم في التعاون مع الجهات الأمنية لمعرفة أين يقضي هؤلاء يومهم بعيدا عن منازلهم ومدارسهم يتلقفهم رفقاء سوء؟
وماذا تعلم مناهجُنا أولادَنا؟.. ماذا يكتب لهم في الكتب؟.. وماذا تنمي فيهم؟
إنها كتب تحتاج إلى خطة دراسية جديدة حتى مع الكتب المطورة.. المناهج ركيكة مفككة وبسيطة للغاية، وذلك من خلال مقارنتها مع كثير من المناهج العربية والعالمية.
نعود إلى معلمنا "برناوي" الذي ذهبت حياته نتيجة إسهامه في فك خلاف كان بين الطالب وأحد عمال النظافة، وقد شهد له الجميع بحسن الخلق وجميل الخصال.. إذن المشكلة تكمن في الطالب.. كيف غفلت المدرسة عن هذا الطالب؟ ولماذا يحمل أداة حادة في مبنى المدرسة؟.. وما إجراءات وزارة التربية والتعليم الجديدة التي تضمن حياة منسوبيها بداية من الطلاب والمعلمين وانتهاء بالعمال؟. كلي شوق لسماع خطة حقيقية تنفذ.. أم إن هذه المشكلة كما غيرها تذهب في مهب الريح.
النقطة الأهم هي المدارس في المناطق النائية والمدن التي يقطنها أبناء البادية والريف ممن لا يؤمنون بسلطة القانون، ويعيشون بلا لوائح أو أنظمة تحكم.. كيف تتعامل الوزارة معهم من أجل تجريدهم من عدم الاكتراث بقوانين المدنية والسلطة الشرعية التي تكفل السلامة للجميع؟
في الختام أقول: هل من جديد يا وزارة التربية والتعليم لمنسوبيكم يضمن لهم حياة أفضل؟