في 15 مايو الماضي قام مجلس القطب الشمالي Arctic Council في الاجتماع الوزاري لأعضائه بالسويد، بمنح صفة مراقب لست دول "الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وإيطاليا" في خطوة تعد ـ رغم رمزيتها ـ مؤشرا على مسار جديد في تغير خريطة الجغرافية - السياسية للعالم. ورغم أن مجلس القطب الشمالي أنشئ عام 1996 كمنتدى يهدف إلى تعزيز التعاون، خاصة في المجال البيئي بين الدول الثماني المطلة على القطب الشمالي "الولايات المتحدة، روسيا، كندا، الدنمارك، النرويج، فنلندا، السويد، أيسلندا"، إلا أنه ومنذ عام 2011 بدأ المجلس في اتخاذ خطوات مبدئية تظهر بداية تحوله التدريجي لمنظمة إقليمية، وتحول منطقة القطب الشمالي لمنطقة جغرافية سياسية جديدة، حيث تم توقيع اتفاقيات ملزمة لدول المجلس فيما يخص عمليات البحث والإنقاذ، وكذلك التنسيق لمواجهة التلوث البيئي، وسيكون الخط الفاصل مستقبلا هو اتفاق تلك الدول على منح المجلس قوة صناعة القرار فيما يخص شؤون تلك المنطقة سياسيا decision-making power.
لقد فتح ذوبان الجليد في منطقة القطب الشمالي الباب أمام أمرين رئيسيين يشكلان جوهر التغير في الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القطب الشمالي:
أولا: الاستفادة من مصادر الطاقة:
تمثل منطقة القطب الشمالي حاليا ما يقرب من 10.5% من إجمالي إنتاج النفط العالمي ونحو 25.5% من حجم إنتاج الغاز العالمي، كما تحتوي المنطقة على 5.3% من حجم الاحتياطي العالمي المثبت للنفط proven reserves ونحو 21.7% من حجم احتياطي الغاز العالمي. وطبقا لتقديرات تقرير المسح الجيولوجي الأميركي، فإن منطقة القطب الشمالي تحتوي على نحو 23.9% من حجم النفط والغاز غير المكتشف في العالم. من جهة أخرى، تمثل منطقة القطب الشمالي نسبة كبيرة من حجم الإنتاج العالمي لعدد من المعادن، على سبيل المثال: 40% من حجم إنتاج البلاديوم، 20% من حجم إنتاج الماس، 15% من حجم إنتاج البلاتينيوم،11% من حجم إنتاج الكوبالت، هذا عدا كون المنطقة غنية بعدد من المعادن المختلفة. وسيشكل ذوبان الجليد فرصة للقيام بمزيد من عمليات التنقيب واستخراج النفط والغاز والمعادن، مما سيرفع من أهمية منطقة القطب الشمالي عالميا.
ثانيا: الاستفادة من خطوط النقل البحري:
في عام 2009 قامت سفينتان ألمانيتان بمعاونة كاسحة جليد icebreaker روسية بإكمال أول رحلة تجارية من أوروبا وصولا إلى آسيا من خلال الإبحار في خط الشمال البحريNorthern Sea Route الذي يبدأ من بحر النرويج في المحيط الأطلسي ثم عبر المحيط المتجمد الشمالي بمحاذاة شاطئ روسيا القطبي وصولا للخروج من مضيق بيرنغ إلى المحيط الهادي، وفي 2010 قامت 4 سفن تجارية باستخدام هذا الخط، وفي 2011 عبرت من خلاله 34 سفينة تصل حمولتها الكلية إلى 820 ألف طن، وفي 2012 ارتفع العدد إلى 46 سفينة بحمولة كلية 1.3 مليون طن. وتبرز أهمية خط الشمال البحري الجديد في كونه يختصر المسافة والوقت بين شرق وغرب العالم بمتوسط 10 إلى 15 يوما، فعلى سبيل المثال تبلغ المسافة بين ميناء روتردام بهولندا وميناء يوكوهاما باليابان عن طريق قناة السويس 20,600 كم، بينما من خلال خط الشمال البحري 8,500 كم فقط، كما يختصر الخط ما يقرب من 5,200 كم من المسافة بين شانجهاي في الصين وموانئ ألمانيا. ورغم أن تكلفة النقل عبر هذا الخط في فصل الشتاء تعد أكبر بنسبة 25% من تكلفة النقل عبر قناة السويس، إلا أن التكلفة في فصل الصيف تنخفض بنسبة 35% أقل من تكلفة النقل عبر قناة السويس.
تظهر الأهمية الاستراتيجية لهذا الخط عند النظر للخريطة الجيو-اقتصادية للعالم Geo-Economic Map، حيث يتركز ثقل أغلب التجارة والأسواق العالمية اليوم بين دول المحيط الهادي شرقا "الصين واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا" وبين دول المحيط الأطلسي غربا "الولايات المتحدة وكندا والبرازيل ودول غرب أوروبا"، ومن ثم فإن خط الشمال البحري مؤهل لأن يماثل تأثيره المستقبلي تأثير مضيق رأس الرجاء الصالح على طريق الحرير القديم، أو تأثير حفر قناة السويس على طرق التجارة العالمية كما حدث في الماضي. ويزيد من هذا الأمر كون الدول المطلة على القطب الشمالي لديها الملائمة المالية fiscally fit للاستثمار في تنمية تلك المنطقة والخط البحري، فمتوسط نسبة الديون للناتج القومي debt-to-GDP ratio تقل عن 50%. ومشروع خط الشمال البحري ليس بالجديد، إذ سبق للاتحاد السوفييتي التفكير فيه بل والاستثمار في البنية التحتية اللازمة لجعله قابلا للتطبيق من خلال منظومة موانئ وإدارات مراقبة للإشراف على ساحلها القطبي الممتد لمسافة 5,600 كم، واليوم تستثمر روسيا في بناء ثلاث سفن نووية كاسحة للجليد لإضافتها للسفن الست الموجودة كأسطول يضمن بقاء الخط مفتوحا وخاليا من الجليد على مدار العام، وعلى أمل رفع حجم النقل من خلال هذا الخط إلى 50 مليون طن في العام.
تشكل المياه 70% من مساحة العالم، ويشكل النقل البحري 90% من حجم التجارة العالمية، وحتى على الصعيد العسكري، مثلت عملية تحول القوة الضاربة للجيوش من القوات البرية للقوات البحرية صعود الامبراطوريات الحديثة بدءا من الإسبان والبرتغاليين مرورا بالإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وصولا إلى الولايات المتحدة اليوم أو الصين التي تسعى لتوسيع قواتها البحرية، مما يعني على الصعيد العسكري تغيرات في الخريطة الجيو-سياسية للعالم نتيجة تحرك الثقل العسكري لمنطقة بحرية جديدة، مع ما يتبع هذا الأمر من تحولات أخرى.
سيكون التحدي المستقبلي للعرب هنا هو كيفية الحفاظ على المحيط الهندي مسطحا أساسيا للربط بين الشرق والغرب، مما يستدعي إعادة النظر لهذا المحيط كمنطقة إقليمية ذات بعد استراتيجي تحتم على الدول الأساسية المطلة عليه التكاتف فيما بينها على صعيد استراتيجي للعمل على تأمين خطوط النقل عبره، وتنميته كخط نقل أساس للتجارة العالمية.
وهنا يمكن النظر في فكرة إنشاء مجلس لدول المحيط الهندي يجمع الدول المطلة والمعنية أساسا بهذا الخط مثل الصين ومصر، وأن تكون إحدى مهام هذا المجلس العمل على تأمين الخط، خاصة في ظل عمليات القرصنة البحرية التي ازدادت بشكل مؤثر في الفترة الأخيرة قبالة الصومال، إضافة للدور الإداري الذي يمكن أن يلعبه هذا المجلس في تأمين المحيط الهندي سياسيا. من جهة أخرى، يمكن لمثل هذا المجلس أن يلعب دورا في دفع التجارة البينية للدول المطلة على المحيط الهندي، وفي ظل الإمكانات الاقتصادية الهائلة مستقبلا للقارة الأفريقية، فإن تنمية شرق أفريقيا ضمن استراتيجية أوسع تضع في حسبانها أهمية المحيط الهندي من شأنها المساهمة في جعل شرق أفريقيا أحد المداخل الرئيسة والمهمة لأفريقيا مع العالم، وهو ما سيعود بالفائدة أمنيا وسياسيا على منطقة غرب المحيط الهندي، التي تعد ضمن النطاق السياسي الحيوي لنا.
المحيط الهندي بات خط النقل الأساس لغالبية صادراتنا النفطية التي تحولت اليوم من الغرب إلى الشرق، وهو ما يستدعي النظر للمحيط الهندي بنظرة استراتيجية جديدة.